فخر الدين الرازي

37

تفسير الرازي

أن يفتنكم الذين كفروا ) * ( النساء : 101 ) وقال : * ( ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ) * ( الصافات : 162 ، 163 ) وقال : * ( فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ) * ( آل عمران : 7 ) أي المحنة في الدين وقال : * ( واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) * ( المائدة : 49 ) وقال : * ( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) * ( الممتحنة : 5 ) وقال : * ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) * ( يونس : 85 ) والمعنى أن يفتنوا بها عن دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر والظلم وقال : * ( فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ) * ( القلم : 65 ) قيل : المفتون المجنون ، والجنون فتنة ، إذ هو محنة وعدول عن سبيل أهل السلامة في العقول . فثبت بهذه الآيات أن الفتنة هي الامتحان ، وإنما قلنا : إن الفتنة أكبر من القتل لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا ، وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة ، فصح أن الفتنة أكبر من القتل فضلاً عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي . روى أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش صاحب هذه السرية إلى مؤمني مكة : إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، ومنع المؤمنين عن البيت الحرام قال : ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) * والمعنى ظاهر ، ونظيره قوله تعالى : * ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) * ( البقرة : 120 ) . وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما زال يفعل كذا ، ولا يزال يفعل كذا ، قال الواحدي : هذا فعل لا مصدر له ، ولا يقال منه : فاعل ولا مفعول ، ومثاله في الأفعال كثير نحو * ( عسى ) * ليس له مصدر ولا مضارع وكذلك : ذو ، وما فتئ ، وهلم ، وهاك ، وهات ، وتعال ، ومعنى : * ( لا يزالون ) * أي يدومون على ذلك الفعل لأن الزوال يفيد النفي فإذا أدخلت عليه : ما ، كان ذلك نفياً للنفي فيكون دليلاً على الثبوت الدائم . المسألة الثانية : قوله : * ( حتى يردوكم عن دينكم ) * أي إلى أن يردوكم وقيل المعنى : ليردوكم . المسألة الثالثة : قوله : * ( إن استطاعوا ) * استبعاد لاستطاعتهم ، كقول الرجل لعدوه : إن ظفرت بي فلا تبق على وهو واثق بأنه لا يظفر به . ثم قال تعالى : * ( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي قوله : * ( ومن يرتدد ) * أظهر التضعيف مع الجزم لسكون الحرف الثاني : وهو أكثر في اللغة من الإدغام ، وقوله : * ( فيمت ) * هو جزم بالعطف على * ( يرتدد ) * وجوابه * ( فأولئكم حبطت أعمالهم ) * . المسألة الثانية : لما بين تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دينهم ،