فخر الدين الرازي

194

تفسير الرازي

يحنث ، لأن ذلك وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز معروف مشهور . إذا عرفت هذا فنقول : إن قوله : * ( فمن شرب منه فليس مني ) * ظاهره أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر ، حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي ، فلما كان هذا الاحتمال قائماً في اللفظ الأول ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام ، فقال : * ( ومن لم يطعمه فإنه مني ) * أضاف الطعم والشرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الإبهام . أما قوله : * ( إلا من اغترف غرفة بيده ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو * ( غرفة ) * بفتح الغين ، وكذلك يعقوب وخلف ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم ، قال أهل اللغة الغرفة بالضم الشيء القليل الذي يحصل في الكف ، والغرفة بالفتح الفعل ، وهو الاغتراف مرة واحدة ، ومثله الأكلة والأكلة ، يقال : فلان يأكل في النهار أكله واحدة ، وما أكلت عندهم إلا أكلة بالضم أي شيئاً قليلاً كاللقمة ، ويقال : الحزة من اللحم بالضم للقطعة اليسيرة منه ، وحززت اللحم حزة أي قطعته مرة واحدة ، ونحوه : الخطوة والخطوة بالضم مقدار ما بين القدمين ، والخطوة أن يخطو مرة واحدة ، وقال المبرد : غرفة بالفتح مصدر يقع على قليل ما في يده وكثيره والغرفة بالضم اسم ملء الكف أو ما اغترف به . المسألة الثانية : قوله : * ( إلا من اغترف ) * استثناء من قوله : * ( فمن شرب منه فليس مني ) * وهذه الجملة في حكم المتصلة بالاستثناء ، إلا أنها قدمت في الذكر للعناية . المسألة الثالثة : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه ، ويحمل منها . وأقول : هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما : أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاءه مرة واحدة ، بغرفة واحدة ، بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه وخدمه ، ولأن يحمله مع نفسه والثاني : أنه كان يأخذ القليل إلا أن الله تعالى يجعل البركة فيه حتى يكفي لكل هؤلاء ، وهذا كان معجزة لنبي ذلك الزمان ، كما أنه تعالى كان يروي الخلق العظيم من الماء القليل في زمان محمد عليه الصلاة والسلام . أما قوله تعالى : * ( فشربوا منه إلا قليلاً منهم ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبي والأعمش * ( إلا قليل ) * قال صاحب " الكشاف " : وهذا بسبب ميلهم إلى المعنى ، وإعراضهم عن اللفظ ، لأن قوله : * ( فشربوا منه ) * في معنى : فلم يطيعوه ، لا جرم حمل عليه