فخر الدين الرازي
195
تفسير الرازي
كأنه قيل : فلم يطيعوه إلا قليل منهم . المسألة الثانية : قد ذكرنا أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز الصديق عن الزنديق ، والموافق عن المخالف ، فلما ذكر الله تعالى أن الذين يكونون أهلاً لهذا القتال هم الذين لا يشربون من هذا النهر ، وأن كل من شرب منه فإنه لا يكون مأذوناً في هذا القتال ، وكان في قلبهم نفرة شديدة عن ذلك القتال ، لا جرم أقدموا على الشرب ، فتميز الموافق عن المخالف ، والصديق عن العدو ، ويروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد ، وقع أكثرهم في النهر ، وأكثروا الشرب ، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى ، فلم يزيدوا على الاغتراف ، وأما الذين شربوا وخالفوا أمر الله فاسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا ، وبقوا على شط النهر ، وجبنوا على لقاء العدو ، وأما الذين أطاعوا أمر الله تعالى ، فقوي قلبهم وصح إيمانهم ، وعبروا النهر سالمين . المسألة الثالثة : القليل الذي لم يشرب قيل : إنه أربعة آلاف ، والمشهور وهو قول الحسن أنهم كانوا على عدد أهل بدر ثلاثمائة وبضعة عشر وهم المؤمنون ، والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر : أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن ، قال البراء بن عازب : وكنا يومئذٍ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً . أما قوله : * ( فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : لا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاع الله تعالى في باب الشرب من النهر ، وإنما اختلفوا في أن رجوعهم إلى بلدهم كان قبل عبور النهر أو بعده ، وفيه قولان الأول : أنه ما عبر معه إلا المطيع ، واحتج هذا القائل بأمور الأول : أن الله تعالى قال : * ( فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ) * فالمراد بقوله : * ( الذين آمنوا معه ) * الذين وافقوه في تلك الطاعة ، فلما ذكر الله تعالى كل العسكر ، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا النهر ، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا المطيعين . الحجة الثانية : الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت * ( فمن شرب منه فليس مني ) * أي ليس من أصحابي في سفري ، كالرجل الذي يقول لغيره : لست أنت منا في هذا الأمر ، قال : ومعنى * ( فشربوا منه ) * أي ليتسببوا به إلى الرجوع ، وذلك لفساد دينهم وقلبهم . الحجة الثالثة : أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي والمتمرد ، حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو ، وإذا كان المقصود من هذا الابتلاء