فخر الدين الرازي
193
تفسير الرازي
من حروف الحلق فإنه يجئ على هذين ، كقولك : صخر وصخر ، وشعر وشعر ، وقالوا : بحر وبحر ، وقال الشاعر : كأنما خلقت كفاء من حجر * فليس بين يديه والندى عمل يرى التيمم في بر وفي بحر مخافة أن يرى في كفه بلل أما قوله تعالى : * ( فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( فليس مني ) * كالزجر ، يعني ليس من أهل ديني وطاعتي ، ونظيره قوله تعالى : * ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) * ثم قال قبل هذا : * ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ) * وأيضاً نظيره قوله صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا " أي ليس على ديننا ومذهبنا والله أعلم . المسألة الثانية : قال أهل اللغة * ( لم يطعمه ) * أي لم يذقه ، وهو من الطعم ، وهو يقع على الطعام والشراب هذا ما قاله أهل اللغة ، وعندي إنما اختير هذا اللفظ لوجهين من الفائدة أحدهما : أن الإنسان إذا عطش جداً ، ثم شرب الماء وأراد وصف ذلك الماء بالطيب واللذة قال : إن هذا الماء كأنه الجلاب ، وكأنه عسل فيصفه بالطعوم اللذيذة ، فقوله : * ( ومن لم يطعمه ) * معناه أنه وإن بلغ به العطش إلى حيث يكون ذلك الماء في فمه كالموصوف بهذه الطعوم الطيبة فإنه يجب عليه الاحتراز عنه ، وأن لا يشربه والثاني : أن من جعل الماء في فمه وتمضمض به ثم أخرجه من الفم ، فإنه يصدق عليه أنه ذاقه وطعمه ، ولا يصدق عليه أنه شربه ، فلو قال : ومن لم يشربه فإنه مني كان المنع مقصوراً على الشرب ، أما لما قال : * ( ومن لم يطعمه ) * كان المنع حاصلاً في الشرب وفي المضمضة ، ومعلوم أن هذا التكليف أشق ، وأن الممنوع من شرب الماء إذا تمضمض به وجد نوع خفة وراحة . المسألة الثالثة : أنه تعالى قال في أول الآية : * ( فمن شرب منه فليس مني ) * ثم قال بعده : * ( ومن لم يطعمه ) * وكان ينبغي أن يقال : ومن لم يطعم منه ليكون آخر الآية مطابقاً أولها ، إلا أنه ترك ذلك اللفظ ، واختير هذا لفائدة ، وهي أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث ؟ قال أبو حنيفة لا يحنث إلا إذا كرع من النهر ، حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث ، لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربه متصلاً بذلك الشيء ، وهذا لا يحصل إلا بأن يشرب من النهر ، وقال الباقون إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه