فخر الدين الرازي
10
تفسير الرازي
يكون مندوباً ، وذلك أن الضيف قد يمتنع من الأكل إذا انفرد وينبسط في ذلك إذا سوعد ، فهذا الأكل مندوب ، وقد يكون مباحاً إذا خلا عن هذه العوارض ، والأصل في الشيء أن يكون خالياً عن العوارض ، فلا جرم كان مسمى الأكل مباحاً وإذا كان الأمر كذلك كان قوله * ( كلوا ) * في هذا الموضع لا يفيد الإيجاب والندب بل الإباحة . المسألة الثانية : احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراماً بقوله تعالى : * ( من طيبات ما رزقناكم ) * فإن الطيب هو الحلال فلو كان كل رزق حلالاً لكان قوله : * ( من طيبات ما رزقناكم ) * معناه من محللات ما أحللنا لكم ، فيكون تكراراً وهو خلاف الأصل ، أجابوا عنه بأن الطيب في أصل اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب ، ولعل أقواماً ظنوا أن التوسع في المطاعم والاستكثار من طيباتها ممنوع منه . فأباح الله تعالى ذلك بقوله : كلوا من لذائذ ما أحللناه لكم فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى . المسألة الثالثة : قوله : * ( وأشكروا الله ) * أمر : وليس بإباحة فإن قيل : الشكر إما أن يكون بالقلب أو باللسان أو بالجوارح ، أما بالقلب فهو إما العلم بصدور النعمة عن ذلك المنعم ، أو العزم على تعظيمه باللسان وبالجوارح ، أما ذلك العلم فهو من لوازم كمال العقل ، فإن العاقل لا ينسى ذلك فإذا كان ذلك العلم ضرورياً فكيف يمكن إيجابه ، وأما العزم على تعظيمه باللسان والجوارح فذلك العزم القلبي مع الإقرار باللسان والعمل بالجوارح ، فإذا بينا أنهما لا يجيبان كان العزم بأن لا يجب أولى ، وأما الشكر باللسان فهو إما أن يقر بالاعتراف له بكونه منعما أو بالثناء عليه فهذا غير واجب بالاتفاق بل هو من باب المندوبات ، وأما الشكر بالجوارح والأعضاء فهو أن يأتي بأفعال دالة على تعظيمه ، وذلك أيضاً غير واجب ، وإذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه لا يمكن القول بوجوب الشكر قلنا الذي تلخص في هذا الباب أنه يجب عليه اعتقاد كونه مستحقاً للتعظيم وإظهار ذلك باللسان أو بسائر الأفعال إن وجدت هناك تهمة . أما قوله تعالى : * ( إن كنتم إياه تعبدون ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية وجوها أحدها : * ( واشكروا لله ) * إن كنتم عارفين بالله وبنعمه ، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته ، إطلاقاً لاسم الأثر على المؤثر وثانيها : معناه : إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه ، فإن الشكر رأس العبادات وثالثها : * ( واشكروا لله ) * الذي رزقكم هذه النعم * ( إن كنتم إياه تعبدون ) * أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه سبحانه المنعم لا غيره ، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري ، وأزرق ويشكر غيري " .