فخر الدين الرازي
11
تفسير الرازي
المسألة الثانية : احتج من قال : إن المعلق بلفظ : أن ، لا يكون عدما عند عدم ذلك الشيء بهذه الآية ، فإنه تعالى علق الأمر بالشكر بكلمة * ( إن ) * على فعل العباد ، مع أن من لا يفعل هذه العبادات يجب عليه الشكر أيضاً . * ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ ضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمرنا في الآية السالفة بتناول الحلال فصل في هذه الآية أنواع الحرام ، والكلام فيها على نوعين النوع الأول : ما يتعلق بالتفسير والنوع الثاني : ما يتعلق بالأحكام التي استنبطها العلماء من هذه الآية " فالنوع الأول " فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن كلمة * ( إنما ) * على وجهين أحدهما : أن تكون حرفاً واحداً ، كقولك : إنما داري دارك ، وإنما مالي مالك الثاني : أن تكون * ( ما ) * منفصلة من : إن ، وتكون * ( ما ) * بمعنى الذي ، كقولك : إن ما أخذت مالك ، وإن ما ركبت دابتك ، وجاء في التنزيل على الوجهين ، أما على الأول فقوله : * ( إنما الله إله واحد وإنما أنت نذير ) * وأما على الثاني فقوله : * ( إنما صنعوا كيد ساحر ) * ( طه : 69 ) ولو نصبت كيد ساحر على أن تجعل * ( إنما ) * حرفاً واحداً كان صواباً ، وقوله : * ( إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم ) * ( العنكبوت : 25 ) تنصب المودة وترفع على هذين الوجهين ، واختلفوا في حكمها على الوجه الأول ، فمنهم من قال * ( إنما ) * تفيد الحصر واحتجوا عليه بالقرآن والشعر والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى : * ( إنما الله إله واحد ) * ( النساء : 171 ) أي ما هو إلا إله واحد ، وقال : * ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) * ( التوبة : 60 ) أي لهم لا لغيرهم وقال تعالى لمحمد : * ( قل إنما أنا بشر مثلكم ) * ( الكهف : 110 ) أي ما أنا إلا بشر مثلكم ، وكذا هذه الآية فإنه تعالى قال في آية أخرى * ( قل لا أجد فيما أوحى إلى محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ) * ( الأنعام : 145 ) فصارت الآيتان واحدة فقوله : * ( إنما حرم عليكم ) * في هذه الآية مفسر لقوله : * ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ) * إلا كذا في