فخر الدين الرازي
35
تفسير الرازي
عجزه في ذلك عند مطالبتي إياه بالدليل ، ثم قولك أحسن وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعاً كما في قولك : ما أحسن زيد إذا استفهمت عن أحسن عضو من أعضائه ، إلا أنه نصب ليقع الفرق بين ذلك الاستفهام وبين هذا ، فإن هناك معنى قولك : ما أحسن زيد أي عضو من زيد أحسن ، وفي هذا معناه أي شيء من الموجودات في العالم أحسن من زيد ، وبينهما فرق كما ترى ، واختلاف الحركات موضوع للدلالة على اختلاف المعاني والنصب قولنا زيداً أيضاً للفرق لأنه هناك خفض لأنه أضيف أحسن إليه ، ونصب هنا للفرق ، وأيضاً ففي كل تفضيل معنى الفعل ، وفي كل ما فضل عليه غيره معنى المفعول ، فإن معنى قولك : زيد أعلم من عمرو ، أن زيداً جاوز عمراً في العلم ، فجعل هذا المعنى معتبراً عند الحاجة إلى الفرق . القول الرابع : وهو أيضاً قول بعض الكوفيين قال إن * ( ما ) * للاستفهام وأحسن فعل كما يقوله البصريون ، معناه : أي شيء حسن زيداً ، كأنك تستدل بكمال هذا الحسن على كمال فاعل هذا الحسن ، ثم تقول : إن عقلي لا يحيط بكنه كماله ، فتسأل غيرك أن يشرح لك كماله ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . وأما تحقيق الكلام في أفعل به فسنذكره إن شاء الله في قوله : * ( أسمع بهم وأبصر ) * ( مريم : 38 ) . * ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَابِ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) * . اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن قوله : * ( ذلك ) * إشارة إلى ماذا ؟ فذكروا وجهين : الأول : أنه إشارة إلى ما تقدم من الوعيد ، لأنه تعلى لما حكم على الذين يكتمون البينات بالوعيد الشديد ، بين أن ذلك الوعيد على ذلك الكتمان إنما كان لأن الله نزل الكتاب بالحق في صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن هؤلاء اليهود والنصارى لأجل مشاقة الرسول يخفونه ويوقعون الشبهة فيه ، فلا جرم استحقوا ذلك الوعيد الشديد ، ثم قد تقدم في وعيدهم أمور : أحدها : أنهم اشتروا العذاب بالمغفرة وثانيها : اشتروا الضلالة بالهدى وثالثها : أن لهم عذاباً أليماً ورابعها : أن الله لا يزكيهم وخامسها : أن الله لا يكلمهم فقوله : * ( ذلك ) * يصلح أن يكون إشارة