فخر الدين الرازي

36

تفسير الرازي

إلى كل واحد من هذه الأشياء ، وأن يكون إشارة إلى مجموعها . الثاني : أن * ( ذلك ) * إشارة إلى ما يفعلونه من جراءتهم على الله في مخالفتهم أمر الله ، وكتمانهم ما أنزل الله تعالى ، فبين تعالى أن ذلك إنما هو من أجل أن الله نزل الكتاب بالحق ، وقد نزل فيه أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا ينقادون ، ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر ، كما قال : * ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) * ( البقرة : 6 ) . المسألة الثانية : قوله : * ( ذلك ) * يحتمل أن يكون في محل الرفع أو في محل النصب ، أما في محل الرفع بأن يكون مبتدأ ، ولا محالة له خبر ، وذلك الخبر وجهان الأول : التقدير ذلك الوعيد معلوم لهم بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق ، فبين فيه وعيد من فعل هذه الأشياء فكان هذا الوعيد معلوماً لهم لا محالة الثاني : التقدير : ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب وكفروا به فيكون الباء في محل الرفع بالخبرية ، وأما في محل النصب فلأن التقدير : فعلنا ذلك بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق وهم قد حرفوه . المسألة الثالثة : المراد من الكتاب يحتمل أن يكون هو التوراة والإنجيل المشتملين على بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون هو القرآن ، فإن كان الأول كان المعنى : وإن الذين اختلفوا في تأويله وتحريفه لفي شقاق بعيد ، وإن كان الثاني كان المعنى وإن الذين اختلفوا في كونه حقاً منزلاً من عند الله لفي شقاق بعيد . المسألة الرابعة : قوله : * ( بالحق ) * أي بالصدق ، وقيل ببيان الحق . وقوله تعالى : * ( وإن الذين اختلفوا ) * فيه مسألتان : المسألة الأولى : إن الذين اختلفوا قيل : هم الكفار أجمع اختلفوا في القرآن ، والأقرب حمله على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فيهما ، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه وحرفوا تأويله ، فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه التبع لصحة كتابهم ، أما قوله : * ( بالحق ) * فقيل : بالصدق ، وقيل : ببيان الحق ، وأما قوله : * ( وإن الذين اختلفوا في الكتاب ) * فاعلم أنا وإن قلنا : المراد من الكتاب هو القرآن ، كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال : إنه كهانة ، وآخرون قالوا : إنه سحر ، وثالث قال : رجز ، ورابع قال : إنه أساطير الأولين وخامس قال : إنه كلام منقول مختلق ، وإن قلنا : المراد من الكتاب التوراة والإنجيل فالمراد باختلافهم يحتمل وجوهاً أحدها : أنهم مختلفون في دلالة التوراة على نبوة المسيح ، فاليهود