فخر الدين الرازي

28

تفسير الرازي

الحكم الثاني قوله تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) * . اعلم أن في قوله : * ( إن الذين يكتمون ) * مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود ؛ كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ومالك بن الصيف ، وحيي بن أخطب ، وأبي ياسر بن أخطب ، كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا ، فلما بعث محمد عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع ، فكتموا أمر محمد عليه السلام وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : اختلفوا في أنهم أي شيء كانوا يكتمون ؟ فقيل : كانوا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته والبشارة به ، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي والأصم وأبي مسلم ، وقال الحسن : كتموا الأحكام وهو قوله تعالى : * ( إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) * ( التوبة : 34 ) . المسألة الثالثة : اختلفوا في كيفية الكتمان ، فالمروي عن ابن عباس : أنهم كانوا محرفين يحرفون التوراة والإنجيل ، وعند المتكلمين هذا ممتنع ، لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما ، بل كانوا يكتمون التأويل ، لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة ، ويصرفونها عن محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، فهذا هو المراد من الكتمان ، فيصير المعنى : إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب . أما قوله تعالى : * ( ويشترون به ثمناً قليلاً ) * ففيه مسائل :