فخر الدين الرازي

29

تفسير الرازي

المسألة الأولى : الكناية في : به ، يجوز أن تعود إلى الكتمان والفعل يدل على المصدر ، ويحتمل أن تكون عائدة إلى ما أنزل الله ، ويحتمل أن تكون عائدة إلى المكتوم . المسألة الثانية : معنى قوله : * ( ويشترون به ثمناً قليلاً ) * كقوله : * ( ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ) * ( البقرة : 41 ) وقد مر ذلك وبالجملة فكان غرضهم من ذلك الكتمان : أخذ الأموال بسبب ذلك ، فهذا هو المراد من اشترائهم بذلك ثمناً قليلاً . المسألة الثالثة : إنما سماه قليلاً إما لأنه في نفسه قليل ، وإما لأنه بالإضافة إلى ما فيه من الضرر العظيم قليل . المسألة الرابعة : من الناس من قال : كان غرضهم من ذلك الكتمان أخذ الأموال من عوامهم وأتباعهم ، وقال آخرون : بل كان غرضهم من ذلك أخذهم الأموال من كبرائهم وأغنيائهم الذين كانوا ناصرين لذلك المذهب ، وليس في الظاهر أكثر من اشترائهم بذلك الكتمان الثمن القليل ، وليس فيه بيان من طمعوا فيه وأخذوا منه ، فالكلام مجمل وإنما يتوجه الطمع في ذلك إلى من يجتمع إليه الجهل ، وقلة المعرفة المتمكن من المال والشح على المألوف في الدين فينزل عليه ما يلتمس منه فهذا هو معلوم بالعادة ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الحكاية عنهم ذكر الوعيد على ذلك من وجوه أولها : قوله تعالى : * ( أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال بعضهم : ذكر البطن ههنا زيادة بيان لأنه يقال أكل فلان المال إذا بدره وأفسده وقال آخرون : بل فيه فائدة فقوله : * ( في بطونهم ) * أي ملء بطونهم يقال : أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه . المسألة الثانية : قيل : إن أكلهم في الدنيا وإن كان طيباً في الحال فعاقبته النار فوصف بذلك كقوله : * ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً ) * ( النساء : 10 ) عن الحسن والربيع وجماعة من أهل العلم ، وذلك لأنه لما أكل ما يوجب النار فكأنه أكل النار ، كما روي في حديث آخر " الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " وقوله : * ( إني أراني أعصر خمراً ) * ( يوسف : 36 ) أي عنباً فسماه باسم ما يؤول إليه وقيل : إنهم في الآخرة يأكلون النار لأكلهم في الدنيا الحرام عن الأصم وثالثها : قوله تعالى : * ( ولا يكلمهم الله ) * فظاهره : أنه لا يكلمهم أصلا لكنه لما أورده مورد الوعيد فهم منه ما يجري مجرى العقوبة لهم ، وذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول : أنه قد دلت الدلائل على أنه سبحانه وتعالى يكلمهم ، وذلك قوله : * ( فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون ) * ( الحجر : 92 - 93 )