فخر الدين الرازي
99
تفسير الرازي
السؤال السابع : أليس أن كفار قريش كانوا ملأوا الكعبة من الأوثان من قديم الدهر ، ولا شك أن ذلك كان أقبح من تخريب جدران الكعبة ، فلم سلط الله العذاب على من قصد التخريب ، ولم يسلط العذاب على من ملأها من الأوثان ؟ والجواب : لأن وضع الأوثان فيها تعد على حق الله تعالى ، وتخريبها تعد على حق الخلق ، ونظيره قاطع الطريق ، والباغي والقاتل يقتلون مع أنهم مسلمون ، ولا يقتل الشيخ الكبير والأعمى وصاحب الصومعة والمرأة ، وإن كانوا كفار ، لأنه لا يتعدى ضررهم إلى الخلق . السؤال الثامن : كيف القول في إعراب هذه الآية ؟ الجواب : قال الزجاج : كيف في موضع نصب بفعل لا بقوله : * ( ألم تر ) * لأن كيف من حروف الاستفهام . * ( أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ ) * . واعلم أنه تعالى ذكر ما فعل بهم . فقال : * ( ألم يجعل كيدهم في تضليل ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الكيد هو إرادة مضرة بالغير على الخفية ، إن قيل : فلم سماه كيداً وأمره كان ظاهراً ، فإنه كان يصرح أنه يهدم البيت ؟ قلنا : نعم ، لكن الذي كان في قلبه شر مما أظهر ، لأنه كان يضمر الحسد للعرب ، وكان يريد صرف الشرف الحاصل لهم بسبب الكعبة منهم ومن بلدهم إلى نفسه وإلى بلدته . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : إضافة الكيد إليهم دليل على أنه تعالى لا يرضى بالقبيح ، إذ لو رضي لأضافه إلى ذاته ، كقوله : * ( الصوم لي ) * والجواب : أنه ثبت في علم النحو أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، فلم لا يكفي في حسن هذه الإضافة وقوعه مطابقاً لإرادتهم واختيارهم ؟ . المسألة الثالثة : * ( في تضليل ) * أي في تضييع وإبطال يقال : ضلل كيده إذا جعله ضالاً ضائعاً ونظيره قوله تعالى : * ( وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) * وقيل لامرئ القيس : الملك الضليل ، لأنه ضلل ملك أبيه أي ضيعه . بمعنى أنهم كادوا البيت أولاً ببناء القليس وأرادوا أن يفتتحوا أمره بصرف وجوه الحاج إليه ، فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه ، ثم كادوه ثانياً بإرادة هدمه فضلل بإرسال الطير عليهم ، ومعنى حرف الظرف كما يقال : سعى فلان في ضلال ، أي سعيهم كان قد ظهر لكل عاقل أنه كان ضلال وخطأ . * ( وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ ) * . ثم قال تعالى : * ( وأرسل عليهم طيراً أبابيل ) * وفيه سؤالات : السؤال الأول : لم قال : * ( طيراً ) * على التنكير ؟ والجواب : إما للتحقير فإنه مهما كان أحقر كان صنع الله أعجب وأكبر ، أو للتفخيم كأنه يقول : طيراً وأي طير ترمى بحجارة صغيرة فلا تخطئ المقتل .