فخر الدين الرازي

98

تفسير الرازي

السؤال الثالث : لم قال : * ( فعل ) * ولم يقل : جعل ولا خلق ولا عمل الجواب : لأن خلق يستعمل لابتداء الفعل ، وجعل للكيفيات قال تعالى : * ( خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ) * وعمل بعد الطلب وفعل عام فكان أولى لأنه تعالى خلق الطيور وجعل طبع الفيل على خلاف ما كانت عليه ، وسألوه أن يحفظ البيت ، ولعله كان فيهم من يستحق الإجابة ، فلو ذكر الألفاظ الثلاثة لطال الكلام فذكر لفظاً يشمل الكل . السؤال الرابع : لما قال : ربك ، ولم يقل : الرب ؟ الجواب : من وجوه أحدها : كأنه تعالى قال : إنهم لما شاهدوا هذا الانتقام ثم لم يتركوا عبادة الأوثان ، وأنت يا محمد ما شاهدته ثم اعترفت بالشكر والطاعة ، فكأنك أنت الذي رأيت ذلك الانتقام ، فلا جرم تبرأت عنهم واخترتك من الكل ، فأقول : ربك ، أي أنا لك ولست لهم بل عليهم وثانيها : كأنه تعالى قال : إنما فعلت بأصحاب الفيل ذلك تعظيماً لك وتشريفاً لمقدمك ، فأنا كنت مربياً لك قبل قومك ، فكيف أترك تربيتك بعد ظهورك ، ففيه بشارة له عليه السلام بأنه سيظفر . السؤال الخامس : قوله : * ( ألم تر كيف فعل ربك ) * مذكور في معرض التعجب وهذه الأشياء بالنسبة إلى قدرة الله تعالى ليست عجيبة ، فما السبب لهذا التعجب ؟ الجواب : من وجوه أحدها : أن الكعبة تبع لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأن العلم يؤدي بدون المسجد أما لا مسجد بدون العالم فالعالم هو الدر والمسجد هو الصدف ، ثم الرسول الذي هو الدر همزه الوليد ولمزه حتى ضاق قلبه ، فكأنه تعالى يقول : إن الملك العظيم لما طعن في المسجد هزمته وأفنيته ، فمن طعن فيك وأنت المقصود من الكل ألا أفنيه وأعدمه ! إن هذا لعجيب وثانيها : أن الكعبة قبلة صلاتك وقلبك قبلة معرفتك ، ثم أنا حفظت قبلة عملك عن الأعداء ، أفلا تسعى في حفظ قبلة دينك عن الآثام والمعاصي ! . السؤال السادس : لم قال : * ( أصحاب الفيل ) * ولم يقل : أرباب الفيل أو ملاك الفيل ؟ الجواب : لأن الصاحب يكون من الجنس ، فقوله : * ( أصحاب الفيل ) * يدل على أن أولئك الأقوام كانوا من جنس الفيل في البهيمية وعدم الفهم والعقل ، بل فيه دقيقة ، وهي : أنه إذا حصلت المصاحبة بين شخصين ، فيقال : للأدون إنه صاحب الأعلى ، ولا يقال : للأعلى إنه صاحب الأدون ، ولذلك يقال : لمن صحب الرسول عليه السلام : إنهم الصحابة ، فقوله : * ( أصحاب الفيل ) * يدل على أن أولئك الأقوام كانوا أقل حال وأدون منزلة من الفيل ، وهو المراد من قوله تعالى : * ( بل هم أضل ) * ومما يؤكد ذلك أنهم كلما وجهوا الفيل إلى جهة الكعبة كان يتحول عنه ويفر عنه ، كأنه كان يقول : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عزمي حميد فلا أتركه وهم ما كانوا يتركون تلك العزيمة الردية فدل ذلك على أن الفيل كان أحسن حالاً منهم .