فخر الدين الرازي
94
تفسير الرازي
فيها ورجل حطمة أي شديد الأكل يأتي على زاد القوم ، وأصل الحطم في اللغة الكسر ، ويقال : شر الرعاء الحطمة ، يقال : راع حطمة وحطم بغير هاء كأنه يحطم الماشية أي يكسرها عند سوقها لعنفه ، قال المفسرون : الحطمة اسم من أسماء النار وهي الدركة الثانية من دركات النار ، وقال مقاتل : هي تحطم العظام وتأكل اللحوم حتى تهجم على القلوب ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الملك ليأخذ الكافر فيكسره على صلبه كما توضع الخشبة على الركبة فتكسر ثم يرمى به في النار " . واعلم أن الفائدة في ذكر جهنم بهذا الاسم ههنا وجوه : أحدها : الاتحاد في الصورة كأنه تعالى يقول : إن كنت همزة لمزة فوراءك الحطمة والثاني : أن الهامز بكسر عين ليضع قدره فيلقيه في الحضيض فيقول تعالى : وراءك الحطمة ، وفي الحطم كسر فالحطمة تكسرك وتلقيك في حضيض جهنم لكن الهمزة ليس إلا الكسر بالحاجب ، أما الحطمة فإنها تكسر كسراً لا تبقي ولا تذر الثالث : أن الهماز اللماز يأكل لحم الناس والحطمة أيضاً اسم للنار من حيث إنها تأكل الجلد واللحم ، ويمكن أن يقال : ذكر وصفين الهمز واللمز ، ثم قابلهما باسم واحد وقال : خذ واحداً مني بالاثنين منك فإنه يفي ويكفي ، فكأن السائل يقول : كيف يفي الواحد بالاثنين ؟ فقال : إنما تقول : هذا لأنك لا تعرف هذا الواحد فلذلك قال : * ( وما أدراك ما الحطمة ) * . * ( نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ) * . أما قوله تعالى : * ( نار الله ) * فالإضافة للتفخيم أي هي نار لا كسائر النيران : * ( الموقدة ) * التي لا تخمد أبداً أو : * ( الموقدة ) * بأمره أو بقدرته ومنه قول علي عليه السلام : عجباً ممن يعصى الله على وجه الأرض والنار تسعر من تحته ، وفي الحديث : " أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت ، ثم ألف سنة حتى ابيضت ، ثم ألف سنة حتى اسودت فهي الآن سوداء مظلمة " . * ( الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الاَْفْئِدَةِ ) * . أما قوله تعالى : * ( التي تطلع على الأفئدة ) * . فاعلم أنه يقال : طلع الجبل واطلع عليه إذا علاه ، ثم في تفسير الآية وجهان : الأول : أن النار تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم ، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد ، ولا أشد تألماً منه بأدنى أذى مماسه ، فكيف إذا اطلعت نار جهنم واستولت عليه . ثم إن الفؤاد مع استيلاء النار عليه لا يحترق إذ لو احترق لمات ، وهذا هو المراد من قوله : * ( لا يموت فيها ولا يحيى ) * ومعنى الاطلاع هو أن النار تنزل من اللحم إلى الفؤاد والثاني : أن سبب تخصيص الأفئدة بذلك هو أنها مواطن الكفر والعقائد الخبيثة والنيات الفاسدة ، واعلم أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النار تأكل أهلها حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت ، ثم إن الله تعالى يعيد لحمهم وعظمهم مرة أخرى . * ( إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ ) * . أما قوله تعالى : * ( إنها عليهم مؤصدة ) * فقال الحسن : * ( مؤصدة ) * أي مطبقة من أصدت الباب