فخر الدين الرازي
93
تفسير الرازي
القليل والثاني : أن يكون المراد منه التعظيم أي مال بلغ في الخبث والفساد أقصى النهايات . فكيف يليق بالعاقل أن يفتخر به ؟ أما قوله : * ( وعدده ) * ففيه وجوه أحدها أنه مأخوذ من العدة وهي الذخيرة يقال : أعددت الشيء لكذا وعددته إذا أمسكته له وجعلته عدة وذخيرة لحوادث الدهر وثانيها : عدده أي أحصاه وجاء التشديد لكثرة المعدود كما يقال : فلان يعدد فضائل فلان ، ولهذا قال السدي : وعدده أي أحصاه يقول : هذا لي وهذا لي يلهيه ماله بالنهار فإذا جاء الليل كان يخفيه وثالثها : عدده أي كثره يقال : في بني فلان عدد أي كثرة ، وهذان القولان الأخيران راجعان إلى معي العدد ، والقول الثالث إلى معنى العدة ، وقرأ بعضهم وعدده بالتخفيف وفيه وجهان أحدهما : أن يكون المعنى جمع المال وضبط عدده وأحصاه وثانيهما : جمع ماله وعدد قومه الذين ينصرونه من قولك فلان ذو عدد وعدد إذا كان له عدد وافر من الأنصار والرجل متى كان كذلك كان أدخل في التفاخر . * ( يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ) * . ثم وصفه تعالى بضرب آخر من الجهل فقال : * ( يحسب أن ماله أخلده ) * . واعلم أن أخلده وخلده بمعنى واحد ثم في التفسير وجوه أحدها : يحتمل أن يكون المعنى طول المال أمله ، حتى أصبح لفرط غفلته وطول أمله ، يحسب أن ماله تركه خالداً في الدنيا لا يموت وإنما قال : * ( أخلده ) * ولم يقل : يخلده لأن المراد يحسب هذا الإنسان أن المال ضمن له الخلود وأعطاه الأمان من الموت وكأنه حكم قد فرغ منه ، ولذلك ذكره على الماضي . قال الحسن : ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه كالموت وثانيها : يعمل الأعمال المحكمة كتشييد البنيان بالآجر والجص ، عمل من يظن أنه يبقى حياً أو لأجل أن يذكر بسببه بعد الموت وثالثها : أحب المال حباً شديداً حتى اعتقد أنه : إن انتقص مالي أموت ، فلذلك يحفظه من النقصان ليبقى حياً ، وهذا غير بعيد من اعتقاد البخيل ورابعها : أن هذا تعريض بالعمل الصالح وأنه هو الذي يخلد صاحبه في الدنيا بالذكر الجميل وفي الآخر في النعيم المقيم . أما قوله تعالى : * ( كلا ) * ففيه وجهان أحدهما : أنه ردع له عن حسبانه أي ليس الأمر كما يظن أن المال يخلده بل العلم والصلاح ، ومنه قول علي عليه السلام : مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر ، والقول الثاني معناه حقاً : * ( لينبذن ) * واللام في : * ( لينبذن ) * جواب القسم المقدر فدل ذلك على حصول معنى القسم في كلا . * ( كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِى الْحُطَمَةِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ) * . أما قوله تعالى : * ( لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة ) * فإنما ذكره بلفظ النبذ الدال على الإهانة ، لأن الكافر كان يعتقد أنه من أهل الكرامة ، وقرئ لنبذان أي هو وماله ولينبذن بضم الذال أي هو وأنصاره ، وأما : * ( الحطمة ) * فقال المبرد : إنها النار التي تحطم كل من وقع