فخر الدين الرازي

71

تفسير الرازي

جاء التحذير بالرفع والنصب تقول : الأسد الأسد ، فيجوز الرفع والنصب وثانيها : وفيه إضمار أي ستأتيكم القارعة على ما أخبرت عنه في قوله : * ( إذا بعثر ما في القبور ) * وثالثها : رفع بالابتداء وخبره : * ( ما القارعة ) * وعلى قول قطرب الخبر . * ( وما أدراك ما القارعة ) * فإن قيل : إذا أخبرت عن شيء بشيء فلا بد وأن تستفيد منه علماً زائداً ، وقوله : * ( وما أدراك ) * يفيد كونه جاهلاً به فكيف يعقل أن يكون هذا خبراً ؟ قلنا : قد حصل لنا بهذا الخبر علم زائد ، لأنا كنا نظن أنها قارعة كسائر القوارع ، فبهذا التجهيل علمنا أنها قارعة فاقت القوارع في الهول والشدة . المسألة الثالثة : قوله : * ( وما أدراك ما القارعة ) * فيه وجوه أحدها : معناه لا علم لك بكنهها ، لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد ولا فهمه ، وكيفما قدرته فهو أعظم من تقديرك كأنه تعالى قال : قوارع الدنيا في جنب تلك القارعة كأنها ليست بقوارع ، ونار الدنيا في جنب نار الآخرة كأنها ليست بنار ، ولذلك قال في آخر السورة : * ( نار حامية ) * تنبيهاً على أن نار الدنيا في جنب تلك ليست بحامية ، وصار آخر السورة مطابقاً لأولها من هذا الوجه . فإن قيل : ههنا قال : * ( وما أدراك ما القارعة ) * وقال في آخر السورة : * ( فأمه هاوية ، وما أراك ماهية ) * ولم يقل : وما أدراك ما هاوية فما الفرق ؟ قلنا : الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس ، أما كونها هاوية فليس كذلك ، فظهر الفرق بين الموضعين وثانيها : أن ذلك التفصيل لا سبيل لأحد إلى العلم به إلا بأخبار الله وبيانه ، لأنه بحث عن وقوع الوقعات لا عن وجوب الواجبات ، فلا يكون إلى معرفته دليل إلا بالسمع . المسألة الرابعة : نظير هذه الآية قوله : * ( الحاقة ، ما الحاقة ، وما أدراك ما الحاقة ) * ثم قال المحققون قوله : * ( القارعة ، ما القارعة ) * أشد من قوله : * ( الحاقة ما الحاقة ) * لأن النازل آخراً لا بد وأن يكون أبلغ لأن المقصود منه زيادة التنبيه ، وهذه الزيادة لا تحصل إلا إذا كانت أقوى ، وأما بالنظر إلى المعنى ، فالحاقة أشد لكونه راجعاً إلى معنى العدل ، والقارعة أشد لما أنها تهجم على القلوب بالأمر الهائل . * ( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ) * . ثم قال تعالى : * ( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ، وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) * . قال صاحب الكشاف : الظرف نصب بمضمر دلت عليه القارعة ، أي تقرع يوم يكون الناس كذا . واعلم أنه تعالى وصف ذلك اليوم بأمرين الأول : كون الناس فيه : * ( كالفراش المبثوث ) * قال الزجاج : الفراش هو الحيوان الذي يتهافت في النار ، وسمي فراشاً لتفرشه وانتشاره ، ثم إنه