فخر الدين الرازي
72
تفسير الرازي
تعالى شبه الخلق وقت البعث ههنا بالفراش المبثوث ، وفي آية أخرى بالجراد المنتشر . أما وجه التشبيه بالفراش ، فلأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة ، بل كل واحدة منها تذهب إلى غير جهة الأخرى ، يدل هذا على أنهم إذا بعثوا فزعوا ، واختلفوا في المقاصد على جهات مختلفة غير معلومة ، والمبثوث المفرق ، يقال : بثه إذا فرقه . وأما وجه التشبيه بالجراد فهو في الكثرة . قال الفراء : كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضاً ، وبالجملة فالله سبحانه وتعالى شبه الناس في وقت البعث بالجراد المنتشر ، وبالفراش المبثوث ، لأنهم لما بعثوا يموج بعضهم في بعض كالجراد والفراش ، ويأكد ما ذكرنا بقوله تعالى : * ( فتأتون أفواجاً ) * وقوله : * ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) * وقوله في قصة يأجوج ومأجوج : * ( وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ) * فإن قيل : الجراد بالنسبة إلى الفراش كبار ، فكيف شبه الشيء الواحد بالصغير والكبير معاً ؟ قلنا : شبه الواحد بالصغير والكبير لكن في وصفين . أما التشبيه بالفراش فبذهاب كل واحدة إلى غير جهة الأخرى . وأما بالجراد فبالكثرة والتتابع ، ويحتمل أن يقال : إنها تكون كباراً أولاً كالجراد ، ثم تصير صغاراً كالفراش بسبب احتراقهم بحر الشمس ، وذكروا في التشبيه بالفراش وجوهاً أخرى أحدها : ما روى أنه عليه السلام قال : " الناس عالم ومتعلم ، وسائر الناس همج رعاع " فجعلهم الله في الأخرى كذلك : * ( جزاء وفاقاً ) * وثانيها : أنه تعالى إنما أدخل حرف التشبيه ، فقال : * ( كالفراش ) * لأنهم يكونون في ذلك اليوم أذل من الفراش ، لأن الفراش لا يعذب ، وهؤلاء يعذبون ، ونظيره : * ( كالأنعام بل هم أضل ) * . الصفة الثانية : من صفات ذلك اليوم قوله تعالى : * ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) * العهن الصوف ذو الألوان ، وقد مر تحقيقه عند قوله : * ( وتكون الجبال كالعهن ) * والنفش فك الصوف حتى ينتفش بعضه عن بعض ، وفي قراءة ابن مسعود : كالصوف المنفوش . واعلم أن الله تعالى أخبر أن الجبال مختلفة الألوان على ما قال : * ( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ) * ثم إنه سبحانه يفرق أجزاءها ويزيل التأليف والتركيب عنها فيصبر ذلك مشابهاً للصوف الملون بالألوان المختلفة إذا جعل منفوشاً ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : إنما ضم بين حال الناس وبين حال الجبال ، كأنه تعالى نبه على أن تأثير تلك القرعة في الجبال هو أنها صارت كالعهن المنفوش ، فكيف يكون حال الإنسان عند سماعها ! فالويل ثم الويل لابن آدم إن لم تتداركه رحمة ربه ، ويحتمل أن يكون المراد أن جبال النار تصير كالعهن المنفوش لشدة حمرتها . المسألة الثانية : قد وصف الله تعالى تغير الأحوال على الجبال من وجوه أولها : أن تصير قطعاً ، كما قال : * ( ودكت الجبال دكاً ) * ، وثانيها : أن تصير كثيباً مهيلاً ، كما قال : * ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ) * ثم تصير كالعهن المنفوش ، وهي أجزاء كالذر تدخل