فخر الدين الرازي

56

تفسير الرازي

لأن أشد الأسماء هيبة وجلالة لفظ الله ، لأنه هو الاسم الدال على الذات والصفات بأسرها أعني صفات الجلال وصفات الإكرام ، فلو قال : رضي الرب عنهم لم يشعر ذلك بكمال طاعة العبد لأن المربي قد يكتفي بالقليل ، أما لفظ الله فيفيد غاية الجلالة والهيبة ، وفي مثل هذه الحضرة لا يحصل الرضا إلا بالفعل الكامل والخدمة التامة ، فقوله : * ( رضي الله عنهم ) * يفيد تطرية فعل العبد من هذه الجهة . المسألة العاشرة : اختلفوا في قوله : * ( رضي الله عنهم ) * فقال بعضهم : معناه رضي أعمالهم ، وقال بعضهم : المراد رضي بأن يمدحهم ويعظمهم ، قال : لأن الرضا عن الفاعل غير الرضا بفعله ، وهذا هو الأقرب ، وأما قوله : * ( ورضوا عنه ) * فالمراد أنه رضوا بما جازاهم من النعيم والثواب . أما قوله تعالى : * ( ذلك لمن خشي ربه ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : الخوف في الطاعة حال حسنة قال تعالى : * ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ) * ولعل الخشية أشد من الخوف ، لأنه تعالى ذكره في صفات الملائكة مقروناً بالإشفاق الذي هو أشد الخوف فقال : * ( هم من خشية ربهم مشفقون ) * والكلام في الخوف والخشية مشهور . المسألة الثانية : هذه الآية إذا ضم إليها آية أخرى صار المجموع دليلاً على فضل العلم والعلماء ، وذلك لأنه تعالى قال : * ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) * فدلت هذه الآية على أن العالم يكون صاحب الخشية ، وهذه الآية وهي قوله : * ( ذلك لمن خشي ربه ) * تدل على أن صاحب الخشية تكون له الجنة فيتولد من مجموع الآيتين أن الجنة حق العلماء . المسألة الثالثة : قال بعضهم : هذه الآية تدل على أن المرء لا ينتهي إلى حد يصير معه آمناً بأن يعلم أنه من أهل الجنة ، وجعل هذه الآية دالة عليه . وهذا المذهب غير قوي ، لأن الأنبياء عليهم السلام قد علموا أنهم من أهل الجنة ، وهم مع ذلك من أشد العباد خشية لله تعالى ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " أعرفكم بالله أخوفكم من الله ، وأنا أخوفكم منه " والله سبحانه وتعالى أعلم . وصلى الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .