فخر الدين الرازي
55
تفسير الرازي
دوام الخوف ، أما قبل العمل فالحاصل خوف الاختلال ، وأما بعد العمل فالحاصل خوف الخلاف ، إذ هذه العبادة لا تليق بتلك الحضرة . المسألة السادسة : قوله : * ( عدن ) * يفيد الإقامة : * ( لا يخرجون منها ) * * ( وما هم منها بمخرجين ) * * ( لا يبغون عنها حولاً ) * يقال : عدن بالمكان أقام ، وروى أن جنات عدن وسط الجنة ، وقيل : عدن من المعدن أي هي معدن النعيم والأمن والسلامة ، قال بعضهم : إنها سميت جنة إما من الجن أو الجنون أو الجنة أو الجنين ، فإن كانت من الجن فهم المخصوصون بسرعة الحركة يطوفون العالم في ساعة واحدة فكأنه تعالى قال : إنها في إيصال المكلف إلى مشتهياته في غاية الإسراع . مثل حركة الجن ، مع أنها دار إقامة وعدن ، وإما من الجنون فهو أن الجنة ، بحيث لو رآها العاقل يصير كالمجنون ، لولا أن الله بفضله يثبته ، وإما من الجنة فلأنها جنة واقية تقيك من النار ، أو من الجنين ، فلأن المكلف يكون في الجنة في غاية التنعم ، ويكون كالجنين لا يمسه برد ولا حر * ( لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ) * . المسألة السابعة : قوله : * ( تجري ) * إشارة إلى أن الماء الجاري ألطف من الراكد ، ومن ذلك النظر إلى الماء الجاري ، يزيد نوراً في البصر بل كأنه تعالى قال : طاعتك كانت جارية ما دمت حياً على ما قال : * ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) * فوجب أن تكون أنهار إكرامي جارية إلى الأبد ، ثم قال : من تحتها إشارة إلى عدم التنغيص ، وذلك لأن التنغيص في البستان ، أما بسبب عدم الماء الجاري فذكر الجري الدائم ، وإما بسبب الغرق والكثرة ، فذكر من تحتها ، ثم الألف واللام في الأنهار للتعريف فتكون منصرفة إلى الأنهار المذكورة في القرآن ، وهي نهر الماء واللبن والعسل والخمر ، واعلم أن النهار والأنهار من السعة والضياء ، فلا تسمى الساقية نهراً ، بل العظيم هو الذي يسمى نهراً بدليل قوله : * ( وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار ) * فعطف ذلك على البحر . المسألة الثامنة : اعلم أنه تعالى لما وصف الجنة أتبعه بما هو أفضل من الجنة وهو الخلود أولاً والرضا ثانياً ، وروى أنه عليه السلام قال : " إن الخلود في الجنة خير من الجنة ورضا الله خير من الجنة . أما الصفة الأولى : وهي الخلود ، فاعلم أن الله وصف الجنة مرة بجنات عدن ومرة بجنات النعيم ومرة بدار السلام ، وهذه الأوصاف الثلاثة إنما حصلت لأنك ركبت إيمانك من أمور ثلاثة اعتقاد وقول وعمل . وأما الصفة الثانية : وهي الرضا ، فاعلم أن العبد مخلوق من جسد وروح ، فجنة الجسد هي الجنة الموصوفة وجنة الروح هي رضا الرب ، والإنسان مبتدأ أمره من عالم الجسد ومنتهى أمره من عالم العقل والروح ، فلا جرم ابتدأ بالجنة وجعل المنتهى هو رضا الله ، ثم إنه قدم رضي الله عنهم على قوله : * ( ورضوا عنه ) * لأن الأزلي هو المؤثر في المحدث ، والمحدث لا يؤثر في الأزلي . المسألة التاسعة : إنما قال : * ( رضي الله عنهم ) * ولم يقل رضي الرب عنهم ولا سائر الأسماء