فخر الدين الرازي

48

تفسير الرازي

وتصدقوا ، ثم إني أكرمكم يا ملائكتي بمجرد ما أتيتم به من العبودية وأنتم تعظموني بمجرد ما فعلت من الإحسان ، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين ؛ أقاموا الصلاة أتوا بالعبودية وآتوا الزكاة أتوا بالإحسان ، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين وهم صبروا على الأمرين ، فتتعجب الملائكة منهم وينصبون إليهم النظارة ، فلهذا قال : * ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ، سلام عليكم بما صبرتم ) * أفلا يكون هذا الدين قيماً وثالثها : أن الدين كالنفس فحياة الدين بالمعرفة ثم النفس العالمة بلا قدرة كالزمن العاجز ، والقادرة بلا علم مجنونة فإذا اجتمع العلم والقدرة كانت النفس كاملة فكذا الصلاة للذين كالعلم والزكاة كالقدرة ، فإذا اجتمعتا سمي الدين قيمة ورابعها : وهو فائدة الترتيب أن الحكم تعالى أمر رسوله أن يدعوهم إلى أسهل شيء ، وهو القول والاعتقاد فقال : * ( مخلصين ) * ثم لما أجابوه زاده ، فسألهم الصلاة التي بعد أدائها تبقى النفس سالمة كما كانت ، ثم لما أجابوه وأراد منهم الصدقة وعلم أنها تشق عليهم قال : " لا زكاة في مال يحول عليه الحول " ثم لما ذكر الكل قال : * ( وذلك دين القيمة ) * . المسألة الثالثة : احتج من قال : الإيمان عبادة عن مجموع القول والاعتقاد والعمل بهذه الآية ، فقال : مجموع القول والفعل والعمل هو الدين والدين هو الإسلام والإسلام هو الإيمان فاذن مجموع القول والفعل والعمل هو الإيمان ، لأنه تعالى ذكر في هذه الآية مجموع الثلاثة . ثم قال : * ( وذلك دين القيمة ) * أي وذلك المذكور هو دين القيمة وإنما قلنا : إن الدين هو الإسلام لقوله تعالى : * ( إن الدين عند الله الإسلام ) * وإنما قلنا : إن الإسلام هو الإيمان لوجهين الأول : أن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولاً عند الله تعالى لقوله تعالى : * ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ) * لكن الإيمان بالإجماع مقبول عند الله ، فهو إذاً عين الإسلام والثاني : قوله تعالى : * ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ، فما وجدنا فيها غيرت بيت من المسلمين ) * فاستثناء المسلم من المؤمن ، يدل على أن الإسلام يصدق عليه ، وإذا ثبتت هذه المقدمات ، ظهر أن مجموع هذه الثلاثة أعني القول والفعل والعمل هو الإيمان ، وحينئذ يبطل قول من قال : الإيمان اسم لمجرد المعرفة ، أو المجرد الإقرار أولهما معاً والجواب : لم لا يجوز أن تكون الإشارة بقوله : * ( وذلك ) * إلى الإخلاص فقط ؟ والدليل عليه أنا على هذا التقدير لا نحتاج إلى الإضمار أولى ، وأنتم تحتاجون إلى الإضمار ، فتقولون : المراد وذلك المذكور ، ولا شك أن عدم الإضمار أولى ، سلمنا أن قوله : * ( وذلك ) * إشارة إلى مجموع ما تقدم لكنه يدل على أن ذلك المجموع هو الدين القيم ، فلم قلتم : إن ذلك المجموع هو الدين ، وذلك لأن الدين غير ، والدين القيم ، فالدين هو الدين الكامل المستقبل بنفسه ، وذلك إنما يكون إذا كان الدين حاصلاً ، وكانت آثاره ونتائجه معه حاصلة أيضاً ، وهي الصلاة والزكاة ، وإذا لم يوجد هذا المجموع ، لم يكن الدين القيم حاصلاً ، لكن لم قلتم : إن أصل الدين لا يكون حاصلاً والنزاع ما وقع إلا فيه ؟ والله أعلم .