فخر الدين الرازي

49

تفسير الرازي

قوله تعالى : * ( إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الكفار أولاً في قوله : * ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ) * ثم ذكر ثانياً حال المؤمنين في قوله : * ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله ) * أعاد في آخر هذه السورة ذكر كلا الفريقين ، فبدأ أيضاً بحال الكفار ، فقال : * ( إن الذين كفروا ) * واعلم أنه تعالى ذكر من أحوالهم أمرين أحدهما : الخلود في نار جهنم والثاني : أنهم شر الخلق ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : لم قدم أهل الكتاب على المشركين في الذكر ؟ الجواب : من وجوه أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يقدم حق الله سبحانه على حق نفسه ، ألا ترى أن القوم لما كسروا رباعيته قال : " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " ولما فاتته صلاة العصر يوم الخندق قال : " اللهم املأ بطونهم وقبورهم ناراً " فكأنه عليه السلام قال : كانت الضربة ثم على وجه الصورة ، وفي يوم الخندق على وجه السيرة التي هي الصلاة ، ثم إنه سبحانه قضاه ذلك فقال : كما قدمت حقي على حقك فأنا أيضاً أقدم حقك على حق نفسي ، فمن ترك الصلاة طول عمره لا يكفر ومن طعن في شعرة من شعراتك يكفر . إذا عرفت ذلك فنقول : أهل الكتاب ما كانوا يطعنون في الله بل في الرسول ، وأما المشركون فإنهم كانوا يطعنون في الله ، فلما أراد الله تعالى في هذه الآية أن يذكر سوء حالهم بدأ أولاً في النكاية بذكر من طعن في محمد عليه الصلاة والسلام وهم أهل الكتاب ، ثم ثانيا بذكر من طعن فيه تعالى وهم المشركون وثانيها : أن جناية أهل الكتاب في حق الرسول عليه السلام كانت أعظم ، لأن المشركين رأوه صغيراً ونشأ فيهما بينهم ، ثم سفه أحلامهم وأبطل أديانهم ، وهذا أمر شاق ، أما أهل الكتاب فقد كانوا يستفتحون برسالته ويقرون بمبعثه فلما جاءهم أنكروه مع العلم به فكانت جنايتهم أشد . السؤال الثاني : لم ذكر : * ( كفروا ) * بلفظ الفعل : * ( والمشركين ) * باسم الفاعل ؟ والجواب : تنبيهاً على أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل ، ومقرين بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنهم كفروا بذلك بعد مبعثه عليه السلام بخلاف المشركين فإنهم ولدوا على عبادة الأوثان وإنكار الحشر والقيامة . السؤال الثالث : أن المشركين كانوا ينكرون الصانع وينكرون النبوة وينكرون