فخر الدين الرازي

47

تفسير الرازي

الحنيف الذي آمن بجميع الرسل ولم يستثن أحداً منهم ، فمن لم يؤمن بأفضل الأنبياء كيف يكون حنيفاً الخامس : حنفاء أي جامعين لكل الدين إذ الحنيفية كل الدين ، قال عليه السلام : " بعثن بالحنيفية السهلة السمحة " السادس : قال قتادة : هي الختان وتحريم نكاح المحارم أي مختونين محرمين لنكاح الأم والمحارم ، فقوله : * ( حنفاء ) * إشارة إلى النفي ، ثم أردفه بالإثبات ، وهو قوله : * ( ويقيموا الصلاة ) * السابع : قال أبو مسلم : أصله من الحنف في الرجل ، وهو إدبار إبهامها عن إخوانها حتى يقبل على إبهام الأخرى ، فيكون الحنيف هو الذي يعدل عن الأديان كلها إلى الإسلام الثامن : قال الربيع بن أنيس : الحنيف الذي يستقبل القبلة بصلاته ، وإنما قال ذلك لأنه عند التكبير يقول : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً ، وأما الكلام في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقد مر مراراً كثيرة ، ثم قال : * ( وذلك دين القيمة ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال المبرد والزجاج : ذلك دين الملة القيمة ، فالقيمة نعت لموصوف محذوف ، والمراد من القيمة إما المستقيمة أو القائمة ، وقد ذكرنا هذين القولين في قوله : * ( كتب قيمة ) * وقال الفراء : هذا من إضافة النعت إلى المنعوت ، كقوله : * ( إن هذا لهو حق اليقين ) * والهاء للمبالغة كما في قوله : * ( كتب قيمة ) * . المسألة الثانية : في هذه الآية لطائف إحداها : أن الكمال في كل شيء إنما يحصل إذا حصل الأصل والفرع معاً ، فقوم أطنبوا في الأعمال من غير إحكام الأصول ، وهم اليهود والنصارى والمجوس ، فإنهم ربما أتعبوا أنفسهم في الطاعات ، ولكنهم ما حصلوا الدين الحق ، وقوم حصلوا الأصول وأهملوا الفروع ، وهم المرجئة الذين قالوا : لا يضر الذنب مع الإيمان ، والله تعالى خطأ الفريقين في هذه الآية ، وبين أنه لا بد من العلم والإخلاص في قوله : * ( مخلصين ) * ومن العمل في قوله : * ( ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ) * ثم قال : وذلك المجموع كله هو * ( دين القيمة ) * أي البينة المستقيمة المعتدلة ، فكمال أن مجموع الأعضاء بدن واحد كذا هو المجموع دين واحد فقلب دينك الاعتقاد ووجهه الصلاة ولسانه الواصف لحقيقته الزكاة لأن باللسان يظهر قدر فضلك وبالصدقة يظهر قدر دينك ، ثم إن القيم من يقوم بمصالح من يعجز عن إقامة مصالح نفسه فكأنه سبحانه يقول : القائم بتحصيل مصالحك عاجلاً وآجلاً هو هذا المجموع ، ونظيره قوله تعالى : * ( ديناً قيماً ) * وقوله في القرآن : * ( قيماً لينذر بأساً شديداً ) * لأن القرآن هو القيم بالإرشاد إلى الحق ، ويؤيده قوله عليه السلام : " من كان في عمل الله كان الله في عمله " وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : " يا دنيا من خدمك فاستخدميه ، ومن خدمني فاخدميه " ، وثانيها : أن المحسنين في أفعالهم هم مثل الحق سبحانه وذلك بالإحسان إلى عبيده والملائكة ، وذلك بأنهم اشتغلوا بالتسبيح ، لخالقهم فالإحسان من الله لا من الملائكة ، والتعظيم والعبودية من الملائكة لا من الله ، ثم إن الإنسان إذا حضر عرصة القيامة فيقول الله مباهياً بهم : ملائكتي هؤلاء أمثالكم سبحوا وهللوا ، بل في بعض الأفعال أمثالي أحسنوا