فخر الدين الرازي
29
تفسير الرازي
تلك الليلة إلى المعصية ، فوقعت في الذنب ، فكانت معصيتك مع علمك أشد من معصيتك لا مع علمك ، فلهذا السبب أخفيتها عليك ، روى أنه عليه السلام دخل المسجد فرأى نائماً ، فقال : يا علي نبهه ليتوضأ ، فأيقظه علي ، ثم قال علي : يا رسول الله إنك سباق إلى الخيرات ، فلم لم تنبهه ؟ قال : لأن رده عليك ليس بكفر ، ففعلت ذلك لتخف جنايته لو أبى ، فإذا كان هذا رحمة الرسول ، فقس عليه رحمة الرب تعالى ، فكأنه تعالى يقول : إذا علمت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر ، وإن عصيت فيها اكتسب عقاب ألف شهر ، ودفع العقاب أولى من جلب الثواب وثالثها : أني أخفيت هذه الليلة حتى يجتهد المكلف في طلبها ، فيكتسب ثواب الاجتهاد ورابعها : أن العبد إذا لم يتيقن ليلة القدر ، فإنه يجتهد في الطاعة في جميع ليالي رمضان ، على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر ، فيباهي الله تعالى بهم ملائكته ، يقول : كنتم تقولون فيهم يفسدون ويسفكون الدماء . فهذا جده واجتهاده في الليلة المظنونة ، فكيف لو جعلتها معلومة له ! فحينئذ يظهر سر قوله : * ( إني أعلم مالا تعلمون ) * . المسألة السادسة : اختلفوا في أن هذه الليلة هل تستتبع اليوم ؟ قال الشعبي : نعم يومها كليلتها ، ولعل الوجه فيه أن ذكر الليالي يتبع الأيام ، ومنه إذا نذر اعتكاف ليلتين ألزمناه بيوميهما قال تعالى : * ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ) * أي اليوم يخلف ليلته وبالضد . المسألة السابعة : هذه الليلة هل هي باقية ؟ قال الخليل : من قال إن فضلها لنزول القرآن فيها يقول انقطعت وكانت مرة ، والجمهور على أنها باقية ، وعلى هذا هل هي مختصة برمضان أم لا ؟ روى عن ابن مسعود أنه قال : من يقم الحول يصبها ، وفسرها عكرمة بليلة البراءة في قوله : * ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) * والجمهور على أنها مختصة برمضان واحتجوا عليه بقوله تعالى : * ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) * وقال : * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * فوجب أن تكون ليلة القدر في رمضان لئلا يلزم التناقص ، وعلى هذا القول اختلفوا في تعيينها على ثمانية أقوال ، فقال ابن رزين : ليلة القدر هي الليلة الأولى من رمضان ، وقال الحسن البصري : السابعة عشرة ، وعن أنس مرفوعاً التاسعة عشرة ، وقال محمد بن إسحاق : الحادية والعشرون . وعن ابن عباس الثالثة والعشرون ، وقال ابن مسعود : الرابعة والعشرون ، وقال أبو ذر الغفاري : الخامسة والعشرون ، وقال أبي بن كعب وجماعة من الصحابة : السابعة والعشرون ، وقال بعضهم : التاسعة والعشرون . أما الذين قالوا : إنها الليلة الأولى ( فقد ) قالوا : روى وهب أن صحف إبراهيم أنزلت في الليلة الأولى من رمضان والتوراة ليست ليال مضين من رمضان بعد صحف إبراهيم بسبعمائة سنة ، وأنزل الزبور على داود لثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان بعد التوراة بخمسمائة عام وأنزل الإنجيل على عيسى لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان بعد الزبور بستمائة عام وعشرين عاماً ، وكان القرآن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة قدر من السنة إلى السنة كان جبريل عليه السلام ينزل به من بيت العزة من السماء