فخر الدين الرازي
30
تفسير الرازي
السابعة إلى سماء الدنيا ، فأنزل الله تعالى القرآن في عشرين شهراً في عشرين سنة ، فلما كان هذا الشهر هو الشهر الذي حصلت فيه هذه الخيرات العظيمة ، لا جرم كان في غاية الشرف والقدر والرتبة فكانت الليلة الأولى منه ليلة القدر ، وأما الحسن البصري فإنه قال : هي ليلة سبعة عشر ، لأنها ليلة كانت صبيحتها وقعة بدر ، وأما التاسعة عشرة فقد روى أنس فيها خبراً ، وأما ليلة السابع والعشرين فقد مال الشافعي إليه لحديث الماء والطين ، والذي عليه المعظم أنها ليلة السابع والعشرين ، وذكروا فيه أمارات ضعيفة أحدها : حديث ابن عباس أن السورة ثلاثون كلمة ، وقوله : * ( هي ) * هي السابعة والعشرون منها وثانيها : روى أن عمر سأل الصحابة ثم قال لابن عباس : غص يا غواص فقال زيد بن ثابت : أحضرت أولاد المهاجرين وما أحضرت أولادنا . فقال عمر : لعلك تقول : إن هذا غلام ، ولكن عنده ما ليس عندكم . فقال ابن عباس : أحب الأعداد إلى الله تعالى الوتر أحب الوتر إليه السبعة ، فذكر السماوات السبع والأرضين السبع والأسبوع ودركات النار وعدد الطواف والأعضاء السبعة ، فدل على أنها السابعة والعشرون وثالثها : نقل أيضاً عن ابن عباس ، أنه قال : * ( ليلة القدر ) * تسعة أحرف ، وهو مذكور ثلاث مرات فتكون السابعة والعشرين ورابعها : أنه كان لعثمان بن أبي العاص غلام ، فقال : يا مولاي إن البحر يعذب ماؤه ليلة من الشهر ، قال : إذا كانت تلك الليلة ، فأعلمني فإذا هي السابعة والعشرون من رمضان . وأما من قال : إنها الليلة الأخيرة قال : لأنها هي الليلة التي تتم فيها طاعات هذا الشهر ، بل أول رمضان كآدم وآخره كمحمد ، ولذلك روى في الحديث ، يعتق في آخر رمضان بعدد ما أعتق من أول الشهر ، بل الليلة الأولى كمن ولد له ذكر ، فهي ليلة شكر ، والأخيرة ليلة الفراق ، كمن مات له ولد ، فهي ليلة صبر ، وقد علمت فرق ما بين الصبر والشكر . * ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) * . ثم قال تعالى : * ( وما أدراك ما ليلة القدر ) * يعني ولم تبلغ درايتك غاية فضلها ومنتهى علو قدرها ، ثم إنه تعالى بين فضيلتها من ثلاثة أوجه : * ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) * . الأول : قوله تعالى : * ( ليلة القدر خير من ألف شهر ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير الآية وجوه أحدها : أن العبادة فيها * ( خير من ألف شهر ) * ليس فيها هذه الليلة ، لأنه كالمستحيل أن يقال إنها : * ( خير من ألف شهر ) * فيها هذه الليلة ، وإنما كان كذلك لما يزيد الله فيها من المنافع والأرزاق وأنواع الخير وثانيها : قال مجاهد : كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد حتى يمسي فعل ذلك ألف شهر ، فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من ذلك ، فأنزل الله هذه الآية ، أي ليلة القدر لأمتك خير من ألف شهر لذلك الإسرائيلي الذي حمل السلاح ألف شهر وثالثها : قال مالك بن أنس : أرى