فخر الدين الرازي
169
تفسير الرازي
رعاية الحرمة فلهذا السبب لم يقل له : قل ذلك لئلا يكون مشافهاً لعمه بالشتم بخلاف السورة الأخرى فإن أولئك الكفار ما كانوا أعماماً له الثاني : أن الكفار في تلك السورة طعنوا في الله فقال الله تعالى : يا محمد أجب عنهم : * ( قل يا أيها الكافرون ) * وفي هذه السورة طعنوا في محمد ، فقال الله تعالى أسكت أنت فإني أشتمهم : * ( تبت يدا أبي لهب ) * الثالث : لما شتموك ، فاسكت حتى تندرج تحت هذه الآية : * ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) * وإذا سكت أنت أكون أنا المجيب عنك ، يروى أن أبا بكر كان يؤذيه واحد فبقي ساكتاً ، فجعل الرسول يدفع ذلك الشاتم ويزجره ، فلما شرع أبو بكر في الجواب سكت الرسول ، فقال أبو بكر : ما السبب في ذلك ؟ قال : لأنك حين كنت ساكتاً كان الملك يجيب عنك ، فلما شرعت في الجواب انصرف الملك وجاء الشيطان . واعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى على أن من لا يشافه السفيه كان الله ذاباً عنه وناصراً له ومعيناً . السؤال الرابع : ما الوجه في قراءة عبد الله بن كثير المكي حيث كان يقرأ : * ( أبي لهب ) * ساكنة الهاء ؟ الجواب : قال أبو علي : يشبه أن يكون لهب ولهب لغتين كالشمع والشمع والنهر والنهر ، وأجمعوا في قوله : * ( سيصلى ناراً ذات لهب ) * على فتح الهاء ، وكذا قوله : * ( ولا يغني من اللهب ) * وذلك يدل على أن الفتح أوجه من الإسكان ، وقال غيره : إنما اتفقوا على الفتح في الثانية مراعاة لو فاق الفواصل . * ( مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ) * . قوله تعالى : * ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : ما في قوله : * ( ما أغنى ) * يحتمل أن يكون استفهاماً بمعنى الإنكار ، ويحتمل أن يكون نفياً ، وعلى التقدير الأول يكون المعنى أي تأثير كان لماله وكسبه في دفع البلاء عنه ، فإنه لا أحداً كثر مالاً من قارون فهل دفع الموت عنه ، ولا أعظم ملكاً من سليمان فهل دفع الموت عنه ، وعلى التقدير الثاني يكون ذلك إخباراً بأن المال والكسب لا ينفع في ذلك . المسألة الثانية : ما كسب مرفوع وما موصولة أو مصدرية يعني مكسوبه أو كسبه ، يروى أنه كان يقول : إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وأولادي ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ثم ذكروا في المعنى وجوهاً : أحدها : لم ينفعه ماله وما كسب بماله يعني رأس المال والأرباح وثانيها : أن المال هو الماشية وما كسب من نسلها ، ونتاجها ، فإنه كان صاحب النعم والنتاج وثالثها : * ( ماله ) * الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه ورابعها : قال ابن عباس : * ( ما كسب ) * ولده ، والدليل عليه قوله عليه السلام : " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه " وقال عليه السلام : " أنت ومالك لأبيك " وروى أن بني أبي لهب احتكموا إليه فاقتتلوا فقام يحجز بينهم فدفعه بعضهم فوقع : فغضب فقال : أخرجوا عني الكسب