فخر الدين الرازي
170
تفسير الرازي
الخبيث وخامسها : قال الضحاك : ما ينفعه ماله وعمله الخبيث يعني كيده في عداوة رسول الله وسادسها : قال قتادة : * ( وما كسب ) * أي عمله الذي ظن أنه منه على شيء كقوله : * ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ) * وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : قال ههنا : * ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) * وقال في سورة : * ( والليل إذا يغشى ) * ) * وما يغني عنه ماله إذا تردى ) * فما الفرق ؟ الجواب : التعبير بلفظ الماضي يكون آكد كقوله : * ( ما أغنى عني ماليه ) * وقوله : * ( أتى أمر الله ) * . السؤال الثاني : ما أغنى عنه ماله وكسبه فيماذا ؟ الجواب : قال بعضهم في عداوة الرسول : فلم يغلب عليه ، وقال بعضهم : بل لم يغنيا عنه في دفع النار ولذلك قال : * ( سيصلى ) * . * ( سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ) * . قوله تعالى : * ( سيصلى ناراً ذات لهب ) * وفيه مسائل . المسألة الأولى : لما أخبر تعالى عن حال أبي لهب في الماضي بالتباب وبأنه ما أغنى عنه ماله وكسبه ، أخبر عن حاله في المستقبل بأنه : * ( سيصلى ناراً ) * . المسألة الثانية : * ( سيصلى ) * قرىء بفتح الياء وبضمها مخففاً ومشدداً . المسألة الثالثة : هذه الآيات تضمنت الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه أحدها : الإخبار عنه بالتباب والخسار ، وقد كان كذلك وثانيها : الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده ، وقد كان كذلك . روى أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام دخل بيتنا ، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت أنا ، وكان العباس يهاب القوم ويكتم إسلامه ، وكان أبو لهب يخلف عن بدر ، فبعث مكانه العاص بن هشام ، ولم يتخلف رجل منهم إلا بعث مكانه رجلاً آخر ، فلما جاء الخبر عن واقعة أهل بدر وجدنا في أنفسنا قوة ، وكنت رجلاً ضعيفاً وكنت أعمل القداح ألحيها في حجرة زمزم ، فكنت جالساً هناك وعندي أم الفضل جالسة ، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذا أقبل أبو لهب يجر رجليه ، فجلس على طنب الحجرة وكان ظهري إلى ظهره ، فبينا هو جالس إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب ، فقال له أبو لهب : كيف الخبر يا ابن أخي ؟ فقال : لقينا القوم ومنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف أرادوا ، وأيم الله مع ذلك تأملت الناس ، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض ، قال أبو رافع : فرفعت طنب الحجرة ، ثم قلت : أولئك والله الملائكة ، فأخذني وضربني على الأرض ، ثم برك علي فضربني وكنت رجلاً ضعيفاً ، فقامت أم الفضل إلى عمود فضربته على رأسه وشجته ، وقالت : تستضعفه أن غاب سيده ، والله نحن مؤمنون منذ أيام كثيرة ، وقد صدق فيما قال : فانصرف ذليلاً ، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته ،