فخر الدين الرازي
166
تفسير الرازي
النبي عليه الصلاة والسلام بماذا تفضل ! فقال : تباً لهذا الدين يستوي فيه أنا وغيري ورابعها : كان إذا وفد على النبي وفد سألوا عمه عنه وقالوا : أنت أعلم به فيقول لهم : إنه ساحر فيرجعون عنه ولا يلقونه ، فأتاه وفد فقال لهم مثل ذلك فقالوا : لا ننصرف حتى نراه فقال : إنا لم نزل نعالجه من الجنون فتباً له وتعساً ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فحزن ونزلت السورة . بسم الله الرحمن الرحيم * ( تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ ) * . قوله تعالى : * ( تبت يدا أبي لهب ) * اعلم أن قوله : * ( تبت ) * فيه أقاويل أحدها : التباب الهلاك ، ومنه قولهم شابة أم تابة أي هالكة من الهرم ، ونظيره قوله تعالى : * ( وما كيد فرعون إلا في تباب ) * أي في هلاك ، والذي يقرر ذلك ن الأعرابي لما واقع أهله في نهار رمضان قال : هلكت وأهلكت ، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام ما أنكر ذلك ، فدل على أنه كان صادقاً في ذلك ، ولا شك أن العمل إما أن يكون داخلاً في الإيمان ، أو إن كان داخلاً لكنه أضعف أجزائه ، فإذا كان بترك العمل حصل الهلاك ، ففي حق أبي لهب حصل ترك الاعتقاد والقول والعمل ، وحصل وجود الاعتقاد الباطل ، والقول الباطل ، والعمل الباطل ، فكيف يعقل أن لا يحصل معنى الهلاك ، فلهذا قال : * ( تبت ) * وثانيها : تبت خسرت ، والتياب هو الخسران المفضي إلى الهلاك ، ومنه قوله تعالى : * ( وما زادوهم غير تتبيب ) * أي تخسير بدليل أنه قال في موضع آخر : غير تخسير وثالثها : تبت خابت ، قال ابن عباس : لأنه كان يدفع القوم عنه بقوله : إنه ساحر ، فينصرفون عنه قبل لقائه لأنه كان شيخ القبيلة وكان له كالأب فكان لا يتهم ، فلما نزلت السورة وسمع بها غضب وأظهر العداوة الشديدة فصار متهماً فلم يقبل قوله في الرسول بعد ذلك ، فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه ، ولعله إنما ذكر اليد لأنه كان يضرب بيده على كتف الوافد عليه ، فيقول : انصرف راشداً فإنه مجنون ، فإن المعتاد أن من يصرف إنساناً عن موضع وضع يده علي كتفه ودفعه عن ذلك الموضع ورابعها : عن عطاء تبت أي غلبت لأنه كان يعتقد أن يده هي العليا وأنه يخرجه من مكة ويذله ويغلب عليه وخامسها : عن ابن وثاب ؛ صفرت يداه على كل خير ، وإن قيل : ما فائدة ذكر اليد ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : ما يرى أنه أخذ حجراً ليرمي به رسول الله ، روى عن طارق المحاربي أنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق يقول : يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا ، ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبيه ،