فخر الدين الرازي

167

تفسير الرازي

لا تطيعوه فإنه كذاب ، فقلت : من هذا ، فقالوا : محمد وعمه أبو لهب وثانيها : المراد من اليدين الجملة كقوله تعالى : * ( ذلك بما قدمت يداك ) * ومنه قولهم : يداك أو كتا ، وقوله تعالى : * ( مما عملت أيدينا ) * وهذا التأويل متأكد بقوله : * ( وتب ) * وثالثها : تبت يداه أي دينه ودنياه أولاه وعقباه ، أو لأن بإحدى اليدين تجر المنفعة ، وبأخرى تدفع المضرة ، أو لأن اليمنى سلاح والأخرى جنة ورابعها : روى أنه عليه السلام لما دعاه نهاراً فأبى ، فلما جن الليل ذهب إلى داره مستناً بسنة نوح ليدعوه ليلاً كما دعاه نهاراً ، فلما دخل عليه قال له : جئتني معتذراً فجلس النبي عليه السلام أمامه كالمحتاج ، وجعل يدعوه إلى الإسلام وقال : إن كان يمنعك العار فأجبني في هذا الوقت واسكت ، فقال : لا أومن بك حتى يؤمن بك هذا الجدي ، فقال عليه الصلاة والسلام للجدي : من أنا ؟ فقال رسول الله : وأطلق لسانه يثني عليه ، فاستولى الحسد على أبي لهب ، فأخذ يدي الجدي ومزقه وقال : تباً لك أثر فيك السحر ، فقال الجدي : بل تباً لك ، فنزلت السورة على وفق ذلك : * ( تبت يدا أبي لهب ) * لتمزيقه يدي الجدي وخامسها : قال محمد بن إسحاق : يروى أن أبا لهب كان يقول : يعدني محمد أشياء ، لا أرى أنها كائنة يزعم أنها بعد الموت ، فلم يضع في يدي من ذلك شيئاً ، ثم ينفخ في يديه ويقول : تباً لكما ما أرى فيكما شيئاً ، فنزلت السورة . أما قوله تعالى : * ( وتب ) * ففيه وجوه أحدها : أنه أخرج الأول مخرج الدعاء عليه كقوله : * ( قتل الإنسان ما أكفره ) * والثاني مخرج الخبر أي كان ذلك وحصل ، ويؤيده قراءة ابن مسعود وقد تب وثانيها : كل واحد منهما إخبار ولكن أراد بالأول هلاك عمله ، وبالثاني هلاك نفسه ووجهه أن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه وعمله ، فأخبر الله تعالى أنه محروم من الأمرين وثالثها : * ( تبت يدا أبي لهب ) * يعني ماله ومنه يقال : ذات اليد * ( وتب ) * هو بنفسه كما يقال : * ( خسروا أنفسهم وأهليهم ) * وهو قول أبي مسلم ورابعها : * ( تبت يدا أبي لهب ) * يعني نفسه : * ( وتب ) * يعني ولده عتبة على ما روى أن عتبة بن أبي لهب خرج إلى الشأم مع أناس من قريش فلما هموا أن يرجعوا قال لهم : عتبة بلغوا محمداً عني أني قد كفرت بالنجم إذا هوى ، وروى أنه قال ذلك في وجه رسول الله وتفل في وجهه ، وكان مبالغاً في عداوته ، فقال : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك فوقع الرعب في قلب عتبة وكان يحترز فسار ليلة من الليالي فلما كان قريباً من الصبح ، فقال له أصحابه : هلكت الركاب فما زالوا به حتى نزل وهو مرعوب وأناخ الإبل حوله كالسرادق فسلط الله عليه الأسد وألقى السكينة على الإبل فجعل الأسد يتخلل حتى افترسه ومزقه ، فإن قيل : نزول هذه السورة كان قبل هذه الوقعة ، وقوله : * ( وتب ) * إخبار عن الماضي ، فكيف يحمل عليه ؟ قلنا : لأنه كان في معلومه تعالى أنه يحصل ذلك