فخر الدين الرازي

16

تفسير الرازي

وقادراً ، فإن كان موجباً لزم أن يقارنه الأثر فلم يبق إلا أنه مختار وهو عالم لأن التغير حصل على الترتيب الموافق للمصلحة . المسألة الرابعة : إنما قال : * ( من علق ) * على الجمع لأن الإنسان في معنى الجمع ، كقوله : * ( إن الإنسان لفي خسر ) * . * ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَْكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ باِلْقَلَمِ ) * . أما قوله تعالى : * ( اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم : اقرأ أولاً لنفسك ، والثاني للتبليغ أو الأول للتعلم من جبريل والثاني للتعليم . أو قرأ في صلاتك ، والثاني خارج صلاتك . المسألة الثانية : الكرم إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فمن يهب السكين ممن يقتل به نفسه فهو ليس بكريم ، ومن أعطى ثم طلب عوضاً فهو ليس بكريم ، وليس يجب أن يكون العوض عيناً بل المدح والثواب والتخلص عن المذمة كله عوض ، ولهذا قال أصحابنا : إنه تعالى يستحيل أن يفعل فعلاً لغرض لأنه لو فعل فعلاً لغرض لكان حصول ذلك الغرض أولى له من لا حصوله ، فحينئذ يستفيد بفعل ذلك الشيء حصول تلك الأولوية ، ولو لم يفعل ذلك الفعل لما كان يحصل له تلك الأولوية ، فيكون ناقصاً بذاته مستكملاً بغيره وذلك محال ، ثم ذكروا في بيان أكرميته تعالى وجوهاً أحدها : أنه كم من كريم يحلم وقت الجناية ، لكنه لا يبقى إحسانه على الوجه الذي كان قبل الجناية ، وهو تعالى أكرم لأنه يزيد بإحسانه بعد الجناية ، ومنه قول القائل : متى زدت تقصيراً تزد لي تفضلاً كأني بالتقصير أستوجب الفضلا وثانيها : إنك كريم لكن ربك أكرم وكيف لا وكل كريم ينال بكرمه نفعاً إما مدحاً أو ثواباً أو يدفع ضرراً . أما أنا فالأكرم إذ لا أفعله إلا لمحض الكرم وثالثها : أنه الأكرم لأن له الابتداء في كل كرم وإحسان وكرمه غير مشوب بالتقصير ورابعها : يحتمل أن يكون هذا حثاً على القراءة أي هذا الأكرم لأنه يجازيك بكل حرف عشراً أو حثاً على الإخلاص ، أي لا تقرأ لطمع ولكن لأجلي ودع على أمرك فأنا أكرم من أن لا أعطيك ما لا يخطر ببالك ، ويحتمل أن المعنى تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحداً فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكيف الشاق ثم لا أنصرك . المسألة الثالثة : أنه سبحانه وصف نفسه بأنه : * ( خلق الإنسان من علق ) * وثانياً بأنه علقة وهي بالقلم ، ولا مناسبة في الظاهر بين لأمرين ، لكن التحقيق أن أول حوال الإنسان كونه علقة وهي أخس الأشياء وآخر أمره هو صيرورته عالماً بحقائق الأشياء ، وهو أشرف مراتب المخلوقات فكأنه تعالى يقول : انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب فلا بد لك من مدبر مقدر ينقلك من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة ، ثم فيه تنبيه على أن العلم أشرف الصفات