فخر الدين الرازي
17
تفسير الرازي
الإنسانية ، كأنه تعالى يقول : الإيجاد والإحياء والإفدار والرزق كرم وربوبية ، أما الأكرم هو الذي أعطاك العلم لأن العلم هو النهاية في الشرف . المسألة الرابعة : قوله : * ( باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ) * إشارة إلى الدلالة العقلية الدالة على كمال القدرة والحكمة والعلم والرحمة ، وقوله : * ( الذي علم بالقلم ) * إشارة إلى الأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع ، فالأول كأنه إشارة إلى معرفة الربوبية والثاني إلى النبوة ، وقدم الأول على الثاني تنبيهاً على أن معرفة الربوبية غنية عن النبوة ، وأما النبوة فإنها محتاجة إلى معرفة الربوبية . المسألة الخامسة : في قوله : * ( علم بالقلم ) * وجهان أحدهما : أن المراد من القلم الكتابة التي تعرف بها الأمور الغائبة ، وجعل القلم كناية عنها والثاني : أن المراد علم الإنسان الكتاب بالقلم وكلا القولين متقارب ، إذ المراد التنبيه على فضيلة الكتابة ، يروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتاً عن الكلام ، فقال : ريح لا يبقى ، قال : فما قيده ، قال : الكتابة ، فالقلم صياد يصيد العلوم يبكي ويضحك ، بركوعه تسجد الأنام ، وبحركته تبقى العلوم على مر الليالي والأيام ، نظيره قول زكريا : * ( إذ نادى ربه نداء خفياً ) * أخفى وأسمع فكذا القلم لا ينطق ثم يسمع الشرق والغرب ، فسبحانه من قادر بسوادها جعل الدين منوراً ، كما أنه جعلك بالسواد مبصراً ، فالقلم قوام الإنسان والإنسان قوام العين ، ولا تقل القلم نائب اللسان ، فإن القلم ينوب عن اللسان واللسان لا ينوب عن القلم ، التراب طهور ، ولو إلى عشر حجج ، والقلم بدل ( عن اللسان ) ولو ( بعث ) إلى المشرق والمغرب . * ( عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) * . أما قوله تعالى : * ( علم الإنسان ما لم يعلم ) * فيحتمل أن يكون المراد علمه بالقلم وعلمه أيضاً غير ذلك ولم يذكر واو النسق ، وقد يجري مثل هذا في الكلام تقول : أكرمتك أحسنت إليك ملكتك الأموال وليتك الولايات ، ويحتمل أن يكون المراد من اللفظين واحداً ويكون المعنى : علم الإنسان بالقلم ما لم يعلمه ، فيكون قوله : * ( علم الإنسان ما لم يعلم ) * بياناً لقوله : * ( علم بالقلم ) * . * ( كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى ) * . قال تعالى : * ( كلا إن الإنسان ليطغى ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : أكثر المفسرين على أن المراد من الإنسان ههنا إنسان واحد وهو أبو جهل ، ثم منهم من قال : نزلت السورة من ههنا إلى آخرها في أبي جهل . وقيل : نزلت من قوله : * ( أرأيت الذي ينهى عبداً ) * إلى آخر السورة في أبي جهل . قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فجاء أبو جهل ، فقال : ألم أنهك عن هذا ؟ فزجره النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال