فخر الدين الرازي
143
تفسير الرازي
وأما الدعاة إلى معرفة أحكام الله فهم الأنبياء عليهم السلام ، ولما كان كل بق وبعوضة داعياً إلى معرفة الذاتي والصفات قال : * ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها ) * ، ذلك لأن هذه البعوضة بحسب حدوث ذاتها وصفاتها تدعو إلى قدرة الله بحسب تركيبها العجيب تدعوا إلى علم الله وبحسب تخصيص ذاتها وصفاتها بقدر معين تدعو إلى إرادة الله ، فكأنه تعالى يقول : مثل هذا الشيء كيف يستحيا منه ، روى أن عمر رضي الله عنه كان في أيام خلافته دخل السوق فاشترى كرشاً وحمله بنفسه فرآه على من بعيد فتنكب على عن الطريق فاستقبله عمر وقال له : لم تنكبت عن الطريق ؟ فقال علي : حتى لا تستحي ، فقال : وكيف أستحي من حمل ما هو غذائي ! فكأنه تعالى يقول : إذا كان عمر لا يستحي من الكرش الذي هو غذاؤه في الدنيا فكيف أستحي عن ذكر البعوض الذي يعطيك غذاء دينك ، ثم كأنه تعالى يقول : يا محمد إن نمروذ لما ادعى الربوبية صاح عليه البعوض بالإنكار ، فهؤلاء الكفار لما دعوك إلى الشرك أفلا تصيح عليهم أفلا تصرح بالرد عليهم : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * وإن فرعون لما ادعى الإلهية فجبريل ملأ فاه من الطين فإن كنت ضعيفاً فلست أضعف من بعوضة نمروذ ، وإن كنت قوياً فلست أقوى من جبريل ، فأظهر الإنكار عليهم و : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الثاني والأربعون : كأنه تعالى يقول يا محمد : * ( قل ) * بلسانك : * ( لا أعبد ما تعبدون ) * واتركه قرضاً علي فإني أقضيك هذا القرض على أحسن الوجوه ، ألا ترى أن النصراني إذا قال : أشهد أن محمداً رسول الله فأقول أنا لا أكتفي بهذا ما لم تصرح بالبراءة عن النصرانية ، فلما أوجبت على كل مكلف أن يتبرأ بصريح لسانه عن كل دين يخالف دينك فأنت أيضاً أوجب على نفسك أن تصرح برد كل معبود غيري فقل : * ( يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الثالث والأربعون : أن موسى عليه السلام كان في طبعه الخشونة فلما أرسل إلى فرعون قيل له : * ( فقولا له قولاً ليناً ) * وأما محمد عليه السلام فلما أرسل إلى الخلق أمر بإظهار الخشونة تنبيهاً على أنه في غاية الرحمة ، فقيل له : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * . أما قوله تعالى : * ( قل يا أيها الكافرون ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : * ( يا أيها ) * ، قد تقدم القول فيها في مواضع ، والذي نزيده ههنا ، أنه روى عن علي عليه السلام أنه قال : يا نداء النفس وأي نداي القلب ، وها نداء الروح ، وقيل : يا نداء الغائب وأي للحاضر ، وها للتنبيه ، كأنه يقول : أدعوك ثلاثاً ولا تجيبني مرة ما هذا إلا لجهلك الخفي ، ومنهم من قال : أنه تعالى جمع بين يا الذي هو للبعيد ، وأي الذي هو للقريب ، كأنه تعالى يقول : معاملتك معي وفرارك عني يوجب البعد البعيد ، لكن إحساني إليك ، ووصول نعمتي إليك توجب القرب القريب : * ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) * وإنما قدم يا الذي يوجب البعد على أي الذي يوجب القرب ، كأنه يقول : التقصير منك والتوفيق مني ، ثم ذكرها بعد ذلك لأن