فخر الدين الرازي

144

تفسير الرازي

ما يوجب البعد الذي هو كالموت وأي يوجب القرب الذي هو كالحياة ، فلما حصلا حصلت حالة متوسطة بين الحياة والموت ، وتلك الحالة هي النوم ، والنائم لا بد وأن ينبه وها كلمة تنبيه ، فلهذا السبب ختمت حروف النداء بهذا الحرف . المسألة الثانية : روى في سبب نزول هذه السورة أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، قالوا لرسول الله تعالى : حتى نعبد إلهك مدة ، وتعبد آلهتنا مدة ، فيحصل مصلح بيننا وبينك ، وتزول العداوة من بيننا ، فإن كان أمرك رشيداً أخذنا منه حظاً ، وإن كان أمرنا رشيداً أخذت منه حظاً ، فنزلت هذه السورة ونزل أيضاً قوله تعالى : * ( قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ) * فتارة وصفهم بالجهل وتارة بالكفر ، واعلم أن الجهل كالشجرة ، والكفر كالثمرة ، فلما نزلت السورة وقرأها على رؤوسهم شتموه وأيسوا منه ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : لم ذكرهم في هذه السورة بالكافرين ، وفي الأخرى بالجاهلين ؟ الجواب : لأن هذه السورة بتمامها نازلة فيهم ، فلا بد وأن تكون المبالغة ههنا أشد ، وليس في لدنيا لفظ أشنع ولا أبشع من لفظ الكافر ، وذلك لأنه صفة ذم عند جميع الخلق سواء كان مطلقاً أو مقيداً ، أما لفظ الجهل فإنه عند التقييد قد لا يذم ، كقوله عليه السلام في علم الأنساب : " علم لا ينفع وجهل لا يضر " . السؤال الثاني : لما قال تعالى في سورة : * ( لم تحرم ) * يا أيها الذين كفروا ، ولم يذكر قل ، وههنا ذكر قل ، وذكره باسم الفاعل والجواب : الآية المذكورة في سورة لم تحزم : إنما تقال لهم يوم القيامة وثمة لا يكون الرسول رسولاً إليهم فأزال الواسطة وفي ذلك الوقت يكونون مطيعين لا كافرين . فلذلك ذكره بلفظ الماضي ، وأما ههنا فهم كانوا موصوفين بالكفر ، وكان الرسول رسولاً إليهم ، فلا جرم قال : * ( قل يا أيها الكافرون ) * . السؤال الثالث : قوله ههنا : * ( قل يا أيها الكافرون ) * خطاب مع الكل أو مع البعض ؟ الجواب : لا يجوز أن يكون قوله : * ( لا أعبد ما تعبدون ) * خطاباً مع الكل ، لأن في الكفار من يعبد الله كاليهود والنصارى فلا يجوز أن يقول لهم : * ( لا أعبد ما تعبدون ) * ولا يجوز أيضاً أن يكون قوله : * ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) * خطاباً مع الكل ، لأن في الكفار من آمن وصار بحيث يعبد اللهد فإذن وجب أن يقال : إن قوله : * ( يا أيها الكافرون ) * خطاب مشافهة مع أقوام مخصوصين وهم الذين قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة ، والحاصل أنا لو حملنا الخطاب على العموم دخل التخصيص ، ولو حملنا على أنه خطاب مشافهة لم يلزمنا ذلك ، فكان حمل الآية على هذا المحمل أولى . * ( لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ) * . أما قوله تعالى : * ( لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، ولا أنا عابد