فخر الدين الرازي
140
تفسير الرازي
فأنت مع علمك بأنه يستحيل عقلاً أن يشاركني غيري في المعبودية أولى أن تنادي في العالمين بنفي هذه الشركة . فقل : * ( يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الخامس والعشرون : كأنه تعالى يقول : القوم جاؤوك وأطمعوك في متابعتهم لك ومتابعتك لدينهم فسكت عن الإنكار والرد ، ألست أنا جعلت البيعة معك بيعة معي حيث قلت : * ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) * وجعلت متابعتك متابعة لي حيث قلت : * ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) * ثم إني ناديت في العالمين وقلت : * ( إن الله بريء عن المشركين ورسوله ) * فصرح أنت أيضاً بذلك ، و : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * ، السادس والعشرون : كأنه تعالى يقول : ألست أرأف بك من الولد بولده ، ثم العرى والجوع مع الوالد أحسن من الشبع مع الأجانب ، كيف والجوع لهم لأن أصنامهم جائعة عن الحياة عارية عن الصفات وهم جائعون عن العلم عارون عن التقوى ، فقد جربتني ، ألم أجدك يتيماً وضالاً وعائلاً ، ألم نشرح لك صدرك ، ألم أعطك بالصديق خزينة وبالفاروق هيبة وبعثمان معونة ، وبعلي علماً ، ألم أكف أصحاب الفيل حين حاولوا تخريب بلدتك ، ألم أكف أسلافك رحلة الشتاء والصيف ، ألم أعطك الكوثر ، ألم أضمن أن خصمك أبتر ، ألم يقل جدك في هذه الأصنام بعد تخريبها : * ( لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ) * فصرح بالبراءة عنها و : * ( قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ) * السابع والعشرون : كأنه تعالى يقول : يا محمد ألست قد أنزلت عليك : * ( فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً ) * ثم إن واحداً لو نسبك إلى والدين لغضبت ولأظهرت الإنكار ولبالغت فيه ، حتى قلن : " ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح " فإذا لم تسكت عند التشريك في الولادة ، فكيف سكت عند التشريك في العبادة ! بل أظهر الإنكار ، وبالغ في التصريح به ، و : * ( قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ) * ، الثامن والعشرون : كأنه تعالى يقول يا محمد ألست قد أنزلت عليك : * ( أفمن يخلق كمن لا يحلق أفلا تذكرون ) * فحكمت بأن من سوى بين الإله الخالق وبين الوثن الجماد في المعبودية لا يكون عاقلاً بل يكون مجنوناً ، ثم إني أقسمت وقلت : * ( ن والقلم وما يسطرون ، ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) * والكفار يقولون : إنك مجنون ، فصرح برد مقالتهم فإنها تفيد براءتي عن عيب الشرك ، وبراءتك عن عيب الجنون و : * ( قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ) * ، التاسع والعشرون : أن هؤلاء الكفار سموا الأوثان آلهة ، والمشاركة في الاسم لا توجب المشاركة في المعنى ، ألا ترى أن الرجل والمرأة يشتركان في الإنسانية حقيقة ، ثم القيمية كلها حظ الزوج لأنه أعلم وأقدر ، ثم من كان أعلم وأقدر كان له كل الحق في القيمية ، فمن لا قدرة له ولا علم البتة كيف يكون له حق في القيومية ، بل ههنا شيء آخر : وهو أن امرأة لو ادعاها رجلان فاصطلحا عليها لا يجوز ، ولو أقام كل واحد منها بينة على أنها زوجته لم يقض لواحد منهما ، والجارية بين اثنين لا تحل لواحد منهما ، فإذا لم يحز حصول زوجة لزوجين ، ولا أمة بين موليين في حل الوطء