فخر الدين الرازي
141
تفسير الرازي
فكيف يعقل عابد واحد بين معبودين ! بل من جوز أن يصطلح الزوجان على أن تحل الزوجة لأحدهما شهراً ، ثم الثاني شهراً آخر كان كافراً ، فمن جوز الصلح بين الإله والصنم ألا يكون كافراً فكأنه تعالى يقول لرسوله : إن هذه المقالة في غاية القبح فصرح بالإنكار وقل : * ( يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الثلاثون : كأنه تعالى يقول أنسيت أني لما خيرت نساءك حين أنزلت عليك : * ( قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ) * إلى قوله : * ( أجراً عظيماً ) * ثم خشيت من عائشة أن تختار الدنيا ، فقلت لها : لا تقولي شيئاً حتى تستأمري أبويك ، فقالت : أفي هذا استأمر أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة ! فناقصة العقل ما توقفت فيما يخالف رضاي أتتوقف فيما يخالف رضاي وأمري مع أني جبار السماوات والأرض : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الحادي والثلاثون : كأنه تعالى يقول : يا محمد ألست أنت الذي قلت : من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يوقفن مواقف التهم ، وحتى أن بعض المشايخ قال لمريده الذي يريد أن يفارقه : لا تخاف السلطان قال : ولم ؟ قال : لأنه يوقع الناس في أحد الخطأين ، وإما أن يعتقدوا أن السلطان متدين ، لأنه يخالطه العالم الزاهد ، أو يعتقدوا أنك فاسق مثله ، وكلاهما خطأ ، فإذا ثبت أنه يجب البراءة عن موقف التهم فسكوتك يا محمد عن هذا الكلام يجر إليك تهمة الرضا بذلك ، لا سيما وقد سبق أن الشيطان ألقى فيما بين قراءتك : تلك الغرانيق العلي منها الشفاعة ترتجي ، فأزل عن نفسك هذه التهمة و : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * الثاني والثلاثون : الحقوق في الشاهد نوعان حق من أنت تحت يده ، وهو مولاك ، وحق من هو تحت يدك وهو الولد ، ثم أجمعنا على أن خدمة المولى مقدمة على تربية الولد ، فإذا كان حق المولى المجازي مقدماً ، فبأن يكون حق المولى الحقيقي مقدماً كان أولى ، ثم روى أن علياً عليه السلام استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في التزوج بابنة أبي جهل فضجر وقال : لا آذن لا آذن لا آذن أن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ويسرني ما يسرها والله لا يجمع بين بنت عدو الله ، وبنت حبيب الله ، فكأنه تعالى يقول : صرحت هناك بالرد وكررته على سبيل المبالغة رعاية لحق الولد ، فههنا أولى أن تصرح بالرد ، وتكرره رعاية لحق المولى فقل : * ( يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * ولا أجمع في القلب بين طاعة الحبيب وطاعة العدو الثالث والثلاثون : يا محمد ألست قلت لعمر : رأيت قصراً في الجنة ، فقلت : لمن ؟ فقيل : لفتى من قريش ، فقلت : من هو ، فقالوا : عمر فخشيت غيرتك فلم أدخلها حتى قال عمر : أو أغار عليك يا رسول الله ، فكأنه تعالى قال : خشيت غيرة عمر فما دخلت قصره أفما تخشى غيرتي في أن تدخل قلبك طاعة غيري ، ثم هناك أظهرت الامتناع فههنا أيضاً أظهر الامتناع و : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * ، الرابع والثلاثون : أترى أن نعمتي عليك دون نعمة الوالدة ، ألم أربك ؟ ألم أخلقك ؟ ألم أرزقك ؟ ألم أعطك الحياة والقدرة والعقل والهداية والتوفيق ؟ ثم حين كنت طفلاً عديم العقل وعرفت تربية الأم فلو أخذتك امرأة أجمل وأحسن وأكرم من أمك لأظهرت النفرة ولبكيت