فخر الدين الرازي
133
تفسير الرازي
عنا ، فأخبر تعالى أنهم هم المبتورون القول الرابع : نزلت في أبي جهل فإنه لما مات ابن رسول الله قال أبو جهل : إن أبغضه لأنه أبتر ، وهذا منه حماقة حيث أبغضه بأمر لم يكن باختياره فإن موت الابن لم يكن مراده القول الخامس : نزلت في عمه أبي لهب فإنه لما شافهه بقوله : تباً لك كان يقول في غيبته : إنه أبتر والقول السادس : أنها نزلت في عقبة بن أبي معيط ، وإنه هو الذي كان يقول ذلك ، واعلم أنه لا يبعد في كل أولئك الكفرة أن يقولوا مثل ذلك فإنهم كانوا يقولون فيه ما هو أسوأ من ذلك ، ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه . المسألة الثانية : الشنآن هو البغض . والشانئ هو المبغض ، وأما البتر فهو في اللغة استئصال القطع يقال : بترته أبتره بتراً وبتر أي صار أبتر وهو مقطوع الذنب ، ويقال : الذي لا عقب له أبتر ، ومنه الحمار الأبتر الذي لا ذنب له ، وكذلك لمن انقطع عنه الخير . ثم إن الكفار لما وصفوه بذلك بين تعالى أن الموصوف بهذه الصفة هو ذلك البغض على سبيل الحضر فيه ، فإنك إذا قلت : زيد هو العالم يفيد أنه لا عالم غيره ، إذا عرفت هذا فقول الكفار فيه عليه الصلاة والسلام : إنه أبتر لا شك أنهم لعنهم الله أرادوا به أنه انقطع الخير عنه . ثم ذلك إما أن يحمل على خير معين ، أو على جميع الخيرات أما الأول : فيحتمل وجوهاً أحدها : قال السدي : كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من أولاده بتر ، فلما مات ابنه القاسم وعبد الله بمكة وإبراهيم بالمدينة قالوا : بتر فليس له من يقوم مقامه ، ثم إنه تعالى بين أن عدوه هو الموصوف بهذه الصفة ، فإنا نرى أن نسل أولئك الكفرة قد انقطع ، ونسله عليه الصلاة والسلام كل يوم يزداد وينمو وهكذا يكون إلى قيام القيامة وثانيها : قال الحسن : عنوا بكونه أبتر أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه ، والله تعالى بين أن خصمه هو الذي يكون كذلك ، فإنهم صاروا مدبرين مغلوبين مقهورين ، وصارت رايات الإسلام عالية ، وأهل الشرق والغرب لها متواضعة وثالثها : زعموا أنه أبتر لأنه ليس له ناصر ومعين ، وقد كذبوا لأن الله تعالى هو مولاه ، وجبريل وصالح المؤمنين ، وأما الكفرة فلم يبق لهم ناصر ولا حبيب ورابعها : الأبتر هو الحقير الذليل ، روى أن أبا جهل اتخذ ضيافة لقوم ، ثم إنه وصف رسول الله بهذا الوصف ، ثم قال : قوموا حتى نذهب إلى محمد وأصارعه وأجعله ذليلاً حقيراً ، فلما وصلوا إلى دار خديجة وتوافقوا على ذلك أخرجت خديجة بساطاً ، فلما تصارعا جعل أبو جهل يجتهد في أن يصرعه ، وبقي النبي عليه الصلاة والسلام واقفاً كالجبل ، ثم بعد ذلك رماه النبي صلى الله عليه وسلم على أقبح وجه ، فلما رجع أخذه باليد اليسرى ، لأن اليسرى للاستنجاء ، فكان نجساً فصرعه على الأرض مرة أخرى ووضع قدمه على صدره ، فذكر بعض القصاص أن المراد من قوله : * ( إن شانئك هو الأبتر ) * هذه الواقعة وخامسها : أن الكفرة لما وصفوه بهذا الوصف ، قيل : * ( إن شانئك هو