فخر الدين الرازي
134
تفسير الرازي
الأبتر ) * أي الذي قالوه فيك كلام فاسد يضمحل ويفنى ، وأما المدح الذي ذكرناه فيك ، فإنه باق على وجه الدهر وسادسها : أن رجلاً قام إلى الحسن بن علي عليهما السلام ، وقال : سودت وجوه المؤمنين بأن تركت الإمامة لمعاوية ، فقال : لا تؤذيني يرحمك الله ، فإن رسول الله رأى بني أمية في المنام يصعدون منبره رجلاً فرجلاً فساءه ذلك ، فأنزل الله تعالى : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * فكان ملك بني أمية كذلك ، ثم انقطعوا وصاروا مبتورين . المسألة الثالثة : الكفار لما شتموه ، فهو تعالى أجاب عنه من غير واسطة ، فقال : * ( إن شانئك هو الأبتر ) * وهكذا سنة الأحباب ، فإن الحبيب إذا سمع من يشتم حبيبه تولى بنفسه جوابه ، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم ، وذكر مثل ذلك في مواضع حين قالوا : * ( هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد ، افترى على الله كذباً أم به جنة ) * فقال سبحانه : * ( بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ) * وحين قالوا : هو مجنون أقسم ثلاثاً ، ثم قال : * ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) * ولما قالوا : * ( لست مرسلاً ) * أجاب فقال : * ( يس ، والقرآن الحكيم ، إنك لمن المرسلين ) * وحين قالوا : * ( أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ) * رد عليهم وقال : * ( بل جاء بالحق وصدق المرسلين ) * فصدقه ، ثم ذكر وعيد خصمائه ، وقال : * ( إنكم لذائقوا العذاب الأليم ) * وحين قال حاكياً : * ( أم يقولون شاعر ) * قال : * ( وما علمناه الشعر ) * ولما حكى عنهم قوله : * ( إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ) * سماهم كاذبين بقوله : * ( فقد جاؤوا ظلماً وزوراً ) * ولما قالوا : * ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) * أجابهم فقال : * ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) * فما أجل هذه الكرامة . المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى لما بشره بالنعم العظيمة ، وعلم تعالى أن النعمة لا تهنأ إلا إذا صار العدو مقهوراً ، لا جرم وعده بقهر العدو ، فقال : * ( إن شانئك هو الأبتر ) * وفيه لطائف إحداها : كأنه تعالى يقول : لا أفعله لكي يرى بعض أسباب دولتك ، وبعض أسباب محنة نفسه فيقتله الغيظ وثانيها : وصفه بكونه شانئاً ، كأنه تعالى يقول : هذا الذي يبغضك لا يقدر على شيء آخر سوى أنه يبغضك ، والمبغض إذا عجز عن الإيذاء ، فحينئذ يحترق قلبه غيظاً وحسداً ، فتصير تلك العداوة من أعظم أسباب حصول المحنة لذلك العدو وثالثها : أن هذا الترتيب يدل على أنه إنما صار أبتر ، لأنه كان شانئاً له ومبغضاً ، والأمر بالحقيقة كذلك ، فإن من عادى محسوداً فقد عادى الله تعالى ، لا سيما من تكفل بإعلان شأنه وتعظيم مرتبته ورابعها : أن العدو وصف محمداً عليه الصلاة والسلام بالقلة والذلة ، ونفسه بالكثرة والدولة ، فقلب الله الأمر عليه ، وقال العزيز من أعزه الله ، والذليل من أذله الله ، فالكثرة والكوثر لمحمد عليه السلام ، والأبترية والدناءة والذلة للعدو ، فحصل بين أول السورة وآخرها نوع من المطابقة لطيف . المسألة الخامسة : اعلم أن من تأمل في مطالع هذه السورة ومقاطعها عرف أن الفوائد التي