فخر الدين الرازي
121
تفسير الرازي
الله وشرح جلاله ، وهو سورة : * ( قل هو الله أحد ) * ثم أتبعه بذكر مراتب مخلوقاته في سورة : * ( قل أعوذ برب الفلق ) * ثم ختم بذكر مراتب النفس الإنسانية ، وعند ذلك ختم الكتاب ، وهذه الجملة إنما يتضح تفصيلها عند تفسير هذه السورة على التفصيل ، فسبحان من أرشد العقول إلى معرفة هذه الأسرار الشريفة المودعة في كتابه الكريم . الفائدة الثانية : في قوله : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * هي أن كلمة : * ( إنا ) * تارة يراد بها الجمع وتارة يراد بها التعظيم . أما الأول : فقد دل على أن الإله واحد ، فلا يمكن حمله على الجمع ، إلا إذا أريد أن هذه العطية مما سعى في تحصيلها الملائكة وجبريل وميكائيل والأنبياء المتقدمون ، حين سأل إبراهيم إرسالك ، فقال : * ( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ) * وقال موسى : رب اجعلني من أمة أحمد . وهو المراد من قوله : * ( وما كنت بجانبي الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ) * وبشر بك المسيح في قوله : * ( ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) * . وأما الثاني : وهو أن يكون ذلك محمولاً على التعظيم ، ففيه تنبيه على عظمة العطية لأن الواهب هو جبار السماوات والأرض والموهوب منه ، هو المشار إليه بكاف الخطاب في قوله تعالى : * ( إنا أعطيناك ) * والهبة هي الشيء المسمى بالكوثر ، وهو ما يفيد المبالغة في الكثرة ، ولما أشعر اللفظ بعظم الواهب والموهوب منه والموهوب ، فيالها من نعمة ما أعظمها ، وما أجلها ، ويا له من تشريف ما أعلاه . الفائدة الثالثة : أن الهدية وإن كانت قليلة لكنها بسبب كونها واصلة من المهدي العظيم تصير عظيمة ، ولذلك فإن الملك العظيم إذا رمى تفاحة لبعض عبيده على سبيل الإكرام يعد ذلك إكراماً عظيماً ، لا لأن لذة الهدية في نفسها ، بل لأن صدورها من المهدي العظيم يوجب كونها عظيمة ، فههنا الكوثر وإن كان في نفسه في غاية الكثرة ، لكنه بسبب صدوره من ملك الخلائق يزداد عظمة وكمالاً . الفائدة الرابعة : أنه لما قال : * ( أعطيناك ) * قرن به قرينة دالة على أنه لا يسترجعها ، وذلك لأن من مذهب أبي حنيفة أنه يجوز للأجنبي أن يسترجع موهوبه ، فإن أخذ عوضاً وإن قل لم يجز له ذلك الرجوع ، لأن من وهب شيئاً يساوي ألف دينار إنساناً ، ثم طلب منه مشطاً يساوي فلساً فأعطاه ، سقط حق الرجوع فههنا لما قال : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * طلب منه الصلاة والنحر وفائدته إسقاط حق الرجوع . الفائدة الخامسة : أنه بنى الفعل على المبتدأ ، وذلك يفيد التأكيد والدليل عليه أنك لما ذكرت الاسم المحدث عنه عرف العقل أنه يخبر عنه بأمر فيصبر مشتاقاً إلى معرفة أنه بماذا يخبر عنه ، فإذا ذكر ذلك الخبر قبله قبول العاشق لمعشوقه ، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفى الشبهة