فخر الدين الرازي
122
تفسير الرازي
ومن ههنا تعرف الفخامة في قوله : * ( فإنها لا تعمي الأبصار ) * فإنه أكثر فخامة مما لو قال : فإن الأبصار لا تعمى ، ومما يحقق قولنا قول الملك العظيم لمن يعده ويضمن له : أنا أعطيك ، أنا أكفيك ، أنا أقوم بأمرك . وذلك إذا كان الموعود به أمراً عظيماً . فلما تقع المسامحة به فعظمه يورث الشك في الوفاء به ، فإذا أسند إلى المتكفل العظيم ، فحينئذ يزول ذلك الشك ، وهذه الآية من هذا الباب لأن الكوثر شيء عظيم ، قلما تقع المسامحة به . فلما قدم المبتدأ ، وهو قوله : * ( إنا ) * صار ذلك الإسناد مزيلاً لذلك الشك ودافعاً لتلك الشبهة . الفائدة السادسة : أنه تعالى صدر الجملة بحرف التأكيد الجاري محرى القسم ، وكلام الصادق مصون عن الخلف ، فكيف إذا بالغ في التأكيد . الفائدة السابعة : قال : * ( أعطيناك ) * ولم يقل : سنعطيك لأن قوله : * ( أعطيناك ) * يدل على أن هذا الإعطاء كان حاصلاً في الماضي ، وهذا فيه أنواع من الفوائد إحداها : أن من كان في الزمان الماضي أبداً عزيزاً مرعي الجانب مقضي الحاجة أشرف ممن سيصير كذلك ، ولهذا قال عليه السلام : " كنت نبياً وآدم بين الماء والطين " وثانيها : أنها إشارة إلى أن حكم الله بالإسعاد والإشفاء والإغناء والإفقار ، ليس أمراً يحدث الآن ، بل كان حاصلاً في الأزل وثالثها : كأنه يقول : إنا قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في الوجود فكيف نهمل أمرك بعد وجودك واشتغالك بالعبودية ! ورابعها : كأنه تعالى يقول : نحن ما اخترناك وما فضلناك ، لأجل طاعتك ، وإلا كان يجب أن لا نعطيك إلا بعد إقدامك على الطاعة ، بل إنما اخترناك بمجرد الفضل والإحسان منا إليك من غير موجب ، وهو إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام : " قبل من قبل لا لعلة ، ورد من رد لا لعلة " . الفائدة الثامنة : قال : * ( أعطيناك ) * ولم يقل أعطينا الرسول أو النبي أو العالم أو المطيع ، لأنه لو قال ذلك لأشعر أن تلك العطية وقعت معللة بذلك الوصف ، فلما قال : * ( أعطيناك ) * علم أن تلك العطية غير معللة بعلة أصلاً بل هي محض الاختيار والمشيئة ، كما قال : * ( نحن قسمنا ، الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ) * . الفائدة التاسعة : قال أولاً : * ( إنا أعطيناك ) * ثم قال ثانياً : * ( فصل لربك وانحر ) * وهذا يدل على أن إعطاؤه للتوفيق والإرشاد سابق على طاعاتنا ، وكيف لا يكون كذلك وإعطاؤه إيانا صفته وطاعتنا له صفتنا ، وصفة الخلق لا تكون مؤثرة في صفة الخالق إنما المؤثر هو صفة الخالق في صفة الخلق ، ولهذا نقل عن الواسطي أنه قال : لا أعبد رباً يرضيه طاعتي ويسخطه معصيتي . ومعناه أن رضاه وسخطه قديمان وطاعتي ومعصيتي محدثتان والمحدث لا أثر له في قديم ، بل رضاه عن العبد هو الذي حمله على طاعته فيما لا يزال ، وكذا القول في السخط والمعصية . الفائدة العاشرة : قال : * ( أعطيناك الكوثر ) * ولم يقل : آتيناك الكوثر ، والسبب فيه أمران