فخر الدين الرازي

12

تفسير الرازي

الأولى : من المخاطب بقوله : * ( فما يكذبك ) * ؟ الجواب فيه قولان : أحدهما : أنه خطاب للإنسان على طريقة الالتفات ، والمراد من قوله : * ( فما يكذبك ) * أن كل من أخبر عن الواقع بأنه لا يقع فهو كاذب ، والمعنى فما الذي يلجئك إلى هذا الكذب والثاني : وهو اختيار الفراء أنه خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم ، والمعنى فمن يكذبك يا أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل بالدين . السؤال الثاني : ما وجه التعجب ؟ الجواب : أن خلق الإنسان من النطفة وتقويمه بشراً سوياً وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي ، تم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر دليل واضح على قدرة الخالقة على الحشر والنشر ، فمن شاهد هذه الحالة ثم بقي مصراً على إنكار الحشر فلا شيء أعجب منه . * ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) * . ثم قال تعالى : * ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا في تفسيره وجهين أحدهما : أن هذا تحقيق لما ذكر من خلق الإنسان ثم رده إلى أرذل العمر ، يقول الله تعالى : أليس الذي فعل ذلك بأحكم الحاكمين صنعاً وتدبيراً ، وإذا ثبتت القدرة والحكمة بهذه الدلالة صح القول بإمكان الحشر ووقوعه ، أما الإمكان فبالنظرة إلى القدرة ، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة ، كما قال تعالى : * ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا ) * . والثاني : أن هذا تنبيه من الله تعالى لنبيه عليه السلام بأنه يحكم بينه وبين خصومه يوم القيامة بالعدل . المسألة الثانية : قال القاضي : هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم ، فإنه لو كان الفاعل لأفعال العباد هو الله تعالى لكان كل سفه وكل أمر بسفه وكل ترغيب في سفه فهو من الله تعالى ومن كان كذلك فهو أسفه السفهاء ، كما أنه لا حكمة ولا أمر بالحكمة ولا ترغيب في الحكمة إلا من الله تعالى ، ومن كان كذلك فهو أحكم الحكماء ، ولما ثبت في حقه تعال الأمران لم يكن وصفه بأنه أحكم الحكماء أولى من وصفه بأنه أسفه السفهاء . ولما امتنع هذا الوصف في حقه تعالى علمنا أنه ليس خالقاً لأفعال العباد والجواب : المعارضة بالعلم والداعي ، ثم نقول : السفيه من قامت السفاهة به لا من خلق السفاهة ، كما أن المتحرك والساكن من قامت الحركة والسكون به لا من خلقهما ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .