فخر الدين الرازي

110

تفسير الرازي

أهل العلم والقرآن ، وأولئك يسمون جهال اليهود والنصارى ، ثم إطعام الطعام الذي يكون غذاء الجسد يوجب الشكر ، فإطعام الذي هو غذاء الروح ، ألا يكون موجباً للشكر ! وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : لم لم يقل : عن جوع وعن خوف ؟ قلنا : لأن معنى عن أنه جعل الجوع بعيداً عنهم ، وهذا يقتضي أن يكون ذلك التبعيد مسبوقاً بمقاساة الجوع زماناً ، ثم يصرفه عنه ، ومن لا تقتضي ذلك ، بل معناه أنهم عندما يجوعون يطعمون ، وحين ما يخافون يؤمنون . السؤال الثاني : لم قال : من جوع ، من خوف على سبيل التنكير ؟ الجواب : المراد من التنكير التعظيم . أما الجوع فلما روينا : أنه أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة . وأما الخوف ، فهو الخوف الشديد الحاصل من أصحاب الفيل ، ويحتمل أن يكون المراد من التنكير التحقير ، يكون المعنى أنه تعالى لما لم يجوز لغاية كرمه إبقاءهم في ذلك الجوع القليل والخوف القليل ، فكيف يجوز في كرمه لو عبدوه أن يهمل أمرهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه : * ( أطعمهم من جوع ) * دون جوع : * ( وآمنهم من خوف ) * دون خوف ، ليكون الجوع الثاني ، والخوف الثاني مذكراً ما كانوا فيه أولاً من أنواع الجوع والخوف ، حتى يكونوا شاكرين من وجه ، وصابرين من وجه آخر ، فيستحقوا ثواب الخصلتين . السؤال الثالث : أنه تعالى إنما أطعمهم وآمنهم إجابة لدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أما في الإطعام فهو قوله : * ( وأرزق أهله ) * وأما الأمان فهو قوله : * ( اجعل هذا البلد آمناً ) * وإذا كان كذلك كان ذلك منة على إبراهيم عليه السلام ، فكيف جعله منة على أولئك الحاضرين ؟ والجواب : أن الله تعالى لما قال : * ( إني جاعلك للناس إماماً ) * قال إبراهيم : * ( ومن ذريتي ) * فقال الله تعالى : * ( لا ينال عهدي الظالمين ) * فنادى إبراهيم بهذا الأدب ، فحين قال : * ( رب اجعل هذا البلد آمناً وارزق أهله من الثمرات ) * قيده بقوله : * ( من آمن بالله ) * فقال الله : لا حاجة إلى هذا التقيد ، بل ومن كفر فأمتعه قليلاً ، فكأنه تعالى قال : أما نعمة الأمان فهي دينية فلا تحصل إلا لمن كان تقياً ، وأما نعمة الدنيا فهي تصل إلى البر والفاجر والصالح والطالح ، وإن كان كذلك كان إطعام الكافر من الجوع ، وأمانه من الخوف إنعاماً من الله ابتداء عليه لا بدعوة إبراهيم ، فزال السؤال . والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .