فخر الدين الرازي
111
تفسير الرازي
سورة الماعون سبع آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ) * . * ( أرأيت الذي يكذب بالدين ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ بعضهم أريت بحذف الهمزة ، قال الزجاج : وهذا ليس بالاختيار ، لأن الهمزة إنما طرحت من المستقبل نحو يرى وأرى وترى ، فأما رأيت فليس يصح عن العرب فيها ريت ، ولكن حرف الاستفهام لما كان في أول الكلام سهل إلغاء الهمزة ، ونظيره : صاح هل ريت أو سمعت براع * رد في الضرع ما قرى في العلاب وقرأ ابن مسعود أرأيتك بزيادة حرف الخطاب كقوله : * ( أرأيتك هذا الذي كرمت على ) * . المسألة الثانية : قوله : * ( أرأيت ) * معناه هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو ، فإن لم تعرفه : * ( فهو الذي يدع اليتيم ) * . واعلم أن هذا اللفظ وإن كان في صورة الاستفهام ، لكن الغرض بمثله المبالغة في التعجب كقولك : أرأيت فلاناً ماذا ارتكب ولماذا عرض نفسه ؟ ثم قيل : إنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، وقيل : بل خطاب لكل عاقل أي أرأيت يا عاقل هذا الذي يكذب بالدين بعد ظهور دلائله ووضوح تبيانه أيفعل ذلك لا لغرض ، فكيف يليق بالعاقل جر العقوبة الأبدية إلى نفسه من غير غرض أو لأجل الدنيا ، فكيف يليق بالعاقل أن يبيع الكثير الباقي بالقليل الفاني . المسألة الثالثة : في الآية قولان : أحدهما : أنها مختصة بشخص معين ، وعلى هذا القول ذكروا أشخاصاً ، فقال ابن جريج : نزلت في أبي سفيان كان ينحر جزورين في كل أسبوع ، فأتاه يتيم فسأله لحماً فقرعه بعصاه ، وقال مقاتل : نزلت في العاص بن وائل السهمي ، وكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة ، والإتيان بالأفعال القبيحة ، وقال السدي : نزلت في الوليد بن المغيرة ، وحكى الماوردي أنها نزلت في أبي جهل ، وروى أنه كان وصياً ليتيم ، فجاءه وهو عريان يسأله شيئاً من مال نفسه ، فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصبي ، فقال له أكابر قريش : قل لمحمد يشفع لك ، وكان