فخر الدين الرازي
109
تفسير الرازي
فكيف تحسن المنة علينا بأن أعطانا ملكنا ؟ الجواب : أنظر في الأشياء التي لا بد منها قبل الأكل حتى يتم الطعام ويتهيأ ، وفي الأشياء التي لا بد منها بعد الأكل حتى يتم الانتفاع بالطعام المأكول ، فإنك تعلم أنه لا بد من الأفلاك والكواكب ، ولا بد من العناصر الأربعة حتى يتم ذلك الطعام ، ولا بد من جملة الأعضاء على اختلاف أشكالها وصورها حتى يتم الانتفاع بالطعام ، وحينئذ تعلم أن الإطعام يناسب الأمر بالطاعة والعبادة . السؤال الثالث : المنة بالإطعام لا تليق بمن له شيء من الكرم ، فكيف بأكرم الأكرمين ؟ الجواب : ليس الغرض منه المنة ، بل الإرشاد إلى الأصلح ، لأنه ليس المقصود من الأكل تقوية الشهوة المانعة عن الطاعة ، بل تقوية البنية على أداء الطاعات ، فكأن المقصود من الأمر بالعبادة ذلك . السؤال الرابع : ما الفائدة في قوله : * ( من جوع ) * ؟ الجواب : فيه فوائد أحدها : التنبيه على أن أمر الجوع شديد ، ومنه قوله تعالى : * ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) * وقوله صلى الله عليه وسلم : " من أصبح آمناً في سربه " الحديث وثانيها : تذكيرهم الحالة الأولى الرديئة المؤلمة وهي الجوع حتى يعرفوا قدر النعمة الحاضرة وثالثها : التنبيه على أن خير الطعام ما سد الجوعة ، لأنه لم يقل : وأشبعهم لأن الطعام يزيل الجوع ، أما الإشباع فإنه يورث البطنة . أما قوله تعالى : * ( وآمنهم من خوف ) * ففي تفسيره وجوه أحدها : أنهم كانوا يسافرون آمنين لا يتعرض لهم أحد ، ولا يغير عليهم أحد لا في سفرهم ، ولا في حضرهم وكان غيرهم لا يأمنون من الغارة في السفر والحضر ، وهذا معنى قوله : * ( أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ) * ثانيها : أنه آمنهم من زحمة أصحاب الفيل وثالثها : قال الضحاك والربيع : وآمنهم من خوف الجزام ، فلا يصيبهم ببلدتهم الجذام ورابعها : آمنهم من خوف أن تكون الخلافة في غيرهم وخامسها : آمنهم بالإسلام ، فقد كانوا في الكفر يتفكرون ، فيعلمون أن الدين الذي هم عليه ليس بشيء ، إلا أنهم ما كانوا يعرفون الدين الذي يجب على العاقل أن يتمسك به وسادسها : أطعمهم من جوع الجهل بطعام الوحي ، وآمنهم من خوف الضلال ببيان الهدى ، كأنه تعالى يقول : يا أهل مكة كنتم قبل مبعث محمد تسمون جهال العرب وأجلافهم ، ومن كان ينازعكم كانوا يسمون أهل الكتاب ، ثم أنزلت الوحي على نبيكم ، وعلمتكم الكتاب والحكمة حتى صرتم الآن تسمون