فخر الدين الرازي
11
تفسير الرازي
السيرة الباطنة ، وعن يحيى بن أكثم القاضي أنه فسر التقويم بحسن الصورة ، فإنه حكى أن ملك زمانه خلا بزوجته في ليلة مقمرة ، فقال : إن لم تكوني أحسن من القمر فأنت كذا ، فأفتى الكل بالحنث إلا يحيى بن أكثم فإنه قال : لا يحنث ، فقيل له : خالفت شيوخك ، فقال : الفتوى بالعلم ولقد أفتى من هو أعلم منا وهو الله تعالى فإنه يقوله : * ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) * وكان بعض الصالحين يقول : إلهنا أعطيتنا في الأولى أحسن الأشكال ، فأعطنا في الآخرة أحسن الفعال ، وهو العفو عن الذنوب ، والتجاوز عن العيوب . * ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) * . أما قوله تعالى : * ( ثم رددناه أسفل سافلين ) * ففيه وجهان : الأول : قال ابن عباس : يريد أرذل العمر ، وهو مثل قوله : يرد إلى أرذل العمر ، قال ابن قتيبة : السافلون هم الضعفاء والزمني ، ومن لا يستطيع حيلة ولا يجد سبيلاً ، يقال : سفل يسفل فهو سافل وهم سافلون ، كما يقال : علا يعلو فهو عال وهم عالون ، أراد أن الهرم يخرف ويضعف سمعه وبصره وعقله وتقل حيلته ويعجز عن عمل الصالحات ، فيكون أسفل الجميع ، وقال الفراء : ولو كانت أسفل سافل لكان صواباً ، لأن لفظ الإنسان واحد ، وأنت تقول : هذا أفضل قائم ولا تقول : أفضل قائمين ، إلا أنه قيل : سافلين على الجمع لأن الإنسان في معنى جمع فهو كقوله : * ( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ) * وقال : * ( وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم ) * . والقول الثاني : ما ذكره مجاهد والحسن ثم رددناه إلى النار ، قال علي عليه السلام : وضع أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو أسفل سافلين ، وعلى هذا التقدير فالمعنى ثم رددناه إلى أسفل سافلين إلى النار . * ( إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) * . أما قوله تعالى : * ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * فاعلم أن هذا الاستثناء على القول الأول منقطع ، والمعنى ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء الله إياهم بالشيخوخة والهرم ، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة وعلى تخاذل نهوضهم ، وأما على القول الثاني فالاستثناء متصل ظاهر الاتصال . أما قوله تعالى : * ( فلهم أجر غير ممنون ) * ففيه قولان : أحدهما : غير منقوص ولا مقطوع وثانيهما : أجر غير ممنون أي لا يمن به عليهم ، وأعلم أن كل ذلك من صفات الثواب ، لأنه يجب أن يكون غير منقطع وأن لا يكون منغصاً بالمنة . * ( فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ) * . ثم قال تعالى : * ( فما يكذبك بعد بالدين ) * وفيه سؤالان :