فخر الدين الرازي

9

تفسير الرازي

لنخرج به حبا ونباتا ( 15 ) وجنات ألفافا ( 16 ) إن يوم الفصل كان ميقاتا ( 17 ) ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض ، وأما الثجاج فاعلم أن الثج شدة الانصباب يقال مطر ثجاج ودم ثجاج أي شديد الانصباب . واعلم أن الثج قد يكون لازما ، وهو بمعنى الأنصاب كما ذكرنا ، وقد يكون متعديا بمعنى الصب وفى الحديث أفضل الحج العج والثج أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدى ، وكان ابن عباس مثجا أي يثج الكلام ثجا في خطبته وقد فسروا الثجاج في هذه الآية على الوجهين ، قال الكلبي ومقاتل وقتادة الثجاج ههنا المتدفق المنصب ، وقال الزجاج معناه الصباب كأنه يثج نفسه أي يصب ، وبالجملة فالمراد تتابع القطر حتى يكثر الماء فيعظم النفع به . قوله تعالى ( لنخرج به حبا ونباتا ، وجنات ألفافا ) في الآية مسائل : ( المسألة الأولى ) كل شئ نبت من الأرض فإما أن لا يكون له ساق وإما أن يكون ، فإن لم يكن له ساق فإما أن يكون له أكمام وهو الحب وإما أن لا يكون له أكمام وهو الحشيش وهو المراد ههنا بقوله ( ونباتا ) وإلى هذين القسمين الإشارة بقوله تعالى ( كلوا وارعوا أنعامكم ) وأما الذي له ساق فهو الشجر فإذا اجتمع منها شئ كثير سميت جنة ، فثبت بالدليل العقلي انحصار ما ينبت في الأرض في هذه الأقسام الثلاثة ، وإنما قدم الله تعالى الحب لأنه هو الأصل في الغداء ، وإنما ثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات إليه ، وإنما أخر الجنات في الذكر لان الحاجة إلى الفواكه ليست ضرورية . ( المسألة الثانية ) اختلفوا في ألفافا ، فذكر صاحب الكشاف أنه لا واحد له كالأوزاع والأخياف ، والأوزاع الجماعات المتفرقة والاحياف الجماعات المختلفة ، وكثير من اللغويين أثبتوا له واحدا ، ثم اختلفوا فيه ، فقال الأخفش والكسائي واحدها لف بالكسر ، وزاد الكسائي لف بالضم ، وأنكر المبرد الضم ، وقال بل واحدها لفاء وجمعها لف ، وجمع الف ألفاف ، وقيل يحتمل أن يكون جمع لفيف كشريف وأشراف نقله القفال رحمه الله ، إذا عرفت هذا فنقول قوله ( وجنات ألفافا ) أي ملتفة ، والمعنى أن كل جنة فإن ما فيها من الشجر تكون مجتمعة متقاربة ، ألا تراهم يقولون امرأة لفاء إذا كانت غليظة الساق مجتمعة اللحم يبلغ من تقاربه أن يتلاصق . ( المسألة الثالثة ) كان الكلبي من القائلين بالطبائع ، فاحتج بقوله تعالى ( لنخرج به حبا ونباتا ) وقال إنه يدل على بطلان قول من قال إن الله تعالى لا يفعل شيئا بواسطة شئ آخر . قوله تعالى ( إن يوم الفصل كان ميقاتا ) .