فخر الدين الرازي
10
تفسير الرازي
يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ( 18 ) اعلم أن التسعة التي عددها الله تعالى نظرا إلى حدوثها في ذواتها وصفاتها ، ونظرا إلى إمكانها في ذواتها وصفاتها تدل على القادر المختار ، ونظر إلى ما فيها من الاحكام والاتقان تدل على أن فاعلها عالم ، ثم إن ذلك الفاعل القديم يجب أن يكون علمه وقدرته واجبين ، إذ لو كانا جائزين لافتقر إلى فاعل آخر ويلزم التسلسل وهو محال ، وإذا كان العلم والقدرة واجبين وجب تعلقهما بكل ما صح أن يكون مقدورا ومعلوما وإلا لافتقر إلى المخصص وهو محال ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع المعلومات ، وقد ثبت أن الأجسام متساوية في في الجسمية فكل ما صح على واحد منها صح على الآخر ، فكما يصح على الأجسام السفلية الانشقاق والانفطار والظلمة وجب أن يصح ذلك على كل الأجسام ، وإذا ثبت الامكان وثبت عموم القدرة والعلم ، ثبت أنه تعالى قادر على تخريب الدنيا ، وقادر على إيجاد عالم آخر ، وعند ذلك ثبت أن القوم بقيام القيامة ممكن عقلا وإلى ههنا يمكن إثباته بالعقل ، فأما ما وراء ذلك من وقت حدوثها وكيفية حدوثها فلا سبيل إليه إلا بالسمع ، ثم إنه تعالى تكلم في هذه الأشياء بقوله ( إن يوم الفصل كان ميقاتا ) ثم إنه تعالى ذكر بعض أحوال القيامة ( فأولها ) قوله ( إن يوم الفصل كان ميقاتا ) والمعنى أن هذا اليوم كان في تقدير الله ، وحكمه حدا تؤقت به الدنيا ، أو حدا للخلائق ينتهون إليه ، أو كان ميقاتا لما وعد الله من الثواب والعقاب ، أو كان ميقاتا لاجتماع كل الخلائق في فصل الحكومات وقطع الخصومات . ( وثانيها ) قوله ) تعالى ( يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ) . اعلم أن ( يوم ينفخ ) بدل من يوم الفصل ، أو عطف بيان ، وهذا النفخ هو النفخة الأخيرة التي عندها يكون الحشر ، والنفخ في الصور فيه قولان ( أحدهما ) أن الصور جمع الصور ، فالنفخ في الصور عبارة عن نفخ الأرواح في الأجساد ( والثاني ) أن الصور عبارة عن قرن ينفخ فيه . وتمام الكلام في الصور وما قيل فيه قد تقدم في سورة الزمر ، وقوله ( فتأتون أفواجا ) معناه أنهم يأتون ذلك المقام فرجا فوجا حتى يتكامل اجتماعهم . قال عطاء كل نبي يأتي مع أمته ، ونظيره قوله تعالى ( يوم ندعو كل أناس بإمامهم ) وقيل جماعات مختلفة روى صاحب الكشاف عن معاذ أن سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، فقال عليه السلام : يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ، ثم أرسل عينيه وقال : يحشر عشرة أصناف ن أمتي بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوهم يسحبون عليها ، وبعضهم عمى ، وبعضهم صم بكم ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القبح من أفواهم يتقذرهم أهل الجمع ، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلبون على جذوع من ناره وبعضهم