فخر الدين الرازي

8

تفسير الرازي

يعني محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الزمان ، لا فطور فيها ولا فروج ، ونظيره * ( وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً ) * ( الأنبياء : 32 ) فإن قيل لفظ البناء يستعمل في أسافل البيت والسقف في أعلاه فكيف قال : * ( وبنينا فوقكم سبعاً ) * ؟ قلنا البناء يكون أبعد من الآفة والانحلال من السقف ، فذكر قوله : * ( وبنينا ) * إشارة إلى أنه وإن كان سقفاً لكنه في البعد عن الانحلال كالبناء ، فالغرض من اختيار هذا اللفظ هذه الدقيقة . وثامنها : قوله تعالى : * ( وجعلنا سراجاً وهاجاً ) * كلام أهل اللغة مضطرب في تفسير الوهاج ، فمنهم من قال الوهج مجمع النور والحرارة ، فبين الله تعالى أن الشمس بالغة إلى أقصى الغايات في هذين الوصفين ، وهو المراد بكونها وهاجاً ، وروى الكلبي عن ابن عباس أن الوهاج مبالغة في النور فقط ، يقال للجوهر إذا تلألأ توهج ، وهذا يدل على أن الوهاج يفيد الكمال في النور ، ومنه قول الشاعر يصف النور : نوارها متباهج يتوهج وفي كتاب الخليل : الوهج ، حر النار والشمس ، وهذا يقتضي أن الوهاج هو البالغ في الحر واعلم أن أي هذه الوجود إذا ثبت فالمقصود حاصل . ( وتاسعها ) قوله ( وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ) أما المعصرات ففيها قولان ( الأول ) وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ، وقول مجاهد ، ومقاتل والكلبي وقتادة إنها الرياح التي تثير السحاب ودليله قوله تعالى ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا ) فإن قيل على هذا التأويل كان ينبغي أن يقال وأنزلنا بالمعصرات ، قلنا ( الجواب ) من وجهين ( الأول ) أن المطر إنما ينزل من السحاب ، والسحاب إنما يثيره الرياح ، فصح أن يقال هذا المطر إنما حصل من تلك الرياح ، كما يقال هذا من فلان ، أي من جهته وبسببه ( الثاني ) أن من ههنا بمعنى الباء والتقدير ، وأنزلنا بالمعصرات أي بالرياح المثيرة للسحاب ويروى عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعكرمة أنهم قرأوا ( وأنزلنا بالمعصرات ) وطعن الأزهري في هذا القول ، وقال الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر ، وقد وصف الله تعالى المعصرات بالماء الثجاج ( وجوابه ) أن الاعصار ليست من رياح المطر ، فلم لا يجوز أن يكون المعصرات من رياح المطر ؟ ( القول الثاني ) وهو الرواية الثانية عن ابن عباس واختيار أبى العالية والربيع والضحاك أنها السحاب ، وذكروا في تسمية السحاب بالمعصرات وجوها ( أحدها ) قال المؤرخ : المعصرات السحائب بلغة قريش ( وثانيها ) قال المازني يجوز أن تكون المعصرات هي السحائب ذوات الأعاصير فإن السحائب إذا عصرتها الأعاصير لابد وأن ينزل المطر منها ( وثالثها ) أن المعصرات هي السحائب التي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك أجز الزرع إذا حان له أن يجز ،