فخر الدين الرازي
76
تفسير الرازي
سورة الانفطار تسع عشرة آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ) * . اعلم أن المراد أنه إذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة ، فهناك يحصل الحشر والنشر ، وفي تفسير هذه الآيات مقامات الأول : في تفسير كل واحد من هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة وهي ههنا أربعة ، اثنان منها تتعلق بالعلويات ، واثنان آخران تتعلق بالسفليات الأول : قوله : * ( إذا السماء انفطرت ) * أي انشقت وهو كقوله : * ( ويوم تشقق السماء الغمام ) * ( الفرقان : 25 ) ، * ( إذا السماء انشقت ) * ( الانشقاق : 1 ) ، * ( فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ) * ( الرحمن : 37 ) ، * ( وفتحت السماء فكانت أبواباً ) * و * ( السماء منفطر به ) * ( المزمل : 18 ) قال الخليل : ولم يأت هذا على الفعل ، بل هو كقولهم : مرضع وحائض ، ولو كان على الفعل لكان منفطرة كما قال : * ( إذا السماء انفطرت ) * أما الثاني وهو قوله : * ( وإذا الكواكب انتثرت ) * فالمعنى ظاهر لأن عند انتقاض تركيب السماء لا بد من انتثار الكواكب على الأرض . واعلم أنا ذكرنا في بعض السورة المتقدمة أن الفلاسفة ينكرون إمكان الخرق والالتئام على الأفلاك ، ودليلنا على إمكان ذلك أن الأجسام متماثلة في كونها أجساماً ، فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر ، إنما قلنا : إنها متماثلة لأنه يصح تقسيمها إلى السماوية والأرضية ومورد التقسيم مشترك بين القسمين ، فالعلويات والسفليات مشتركة في أنها أجسام ، وإنما قلنا : إنه متى كان كذلك وجب أن يصح على العلويات ما يصح على السفليات ، لأن المتماثلات حكمها واحد فمتى يصح حكم على واحد منها ، وجب أن يصح على الباقي ، وأما الاثنان السفليان : فأحدهما : قوله : * ( وإذا البحار فجرت ) * وفيه وجوه أحدهما : أنه ينفذ بعض البحار في البعض بارتفاع الحاجز الذي جعله الله برزخاً ، وحينئذ يصير الكل بحراً واحداً ، وإنما يرتفع ذلك