فخر الدين الرازي
77
تفسير الرازي
الحاجز لتزلزل الأرض وتصدعها . وثانيها : أن مياه البحار الآن راكدة مجتمعة ، فإذا فجرت تفرقت وذهب ماؤها وثالثها : قال الحسن : فجرت أي يبست . واعلم أن على الوجوه الثلاثة ، فالمراد أنه تتغير البحار عن صورتها الأصلية وصفتها ، وهو كما ذكر أنه تغير الأرض عن صفتها في قوله : * ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) * ( إبراهيم : 48 ) وتغير الجبال عن صفتها في قوله : * ( فقل ينسفها ربي نسفاً * فيذرها قاعاً صفصفاً ) * ( طه : 106 , 105 ) ورابعها : قرأ بعضهم : * ( فجرت ) * بالتخفيف ، وقرأ مجاهد : * ( فجرت ) * على البناء للفاعل والتخفيف ، بمعنى بغت لزوال البرزخ نظراً إلى قوله : * ( لا يبغيان ) * ( الرحمن : 20 ) لأن البغي والفجور أخوان . وأما الثاني : فقوله : * ( وإذا القبور بعثرت ) * فاعلم أن بعثر وبحثر بمعنى واحد ، ومركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما ، والمعنى أثيرت وقلب أسفلها أعلاها وباطنها ظاهرها ، ثم ههنا وجهان أحدهما : أن القبور تبعثر بأن يخرج ما فيها من الموتى أحياء ، كما قال تعالى : * ( وأخرجت الأرض أثقالها ) * ( الزلزلة : 2 ) والثاني : أنها تبعثر لإخراج ما في بطنها من الذهب والفضة ، وذلك لأن من أشراط الساعة أن تخرج الأرض أفلاذ كبدها من ذهبها وفضتها ، ثم يكون بعد ذلك خروج الموتى ، والأول أقرب ، لأن دلالة القبور على الأول أتم . المقام الثاني : في فائدة هذا الترتيب ، واعلم أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم وفناء الدنيا ، وانقطاع التكاليف ، والسماء كالسقف ، والأرض كالبناء ، ومن أراد تخريب دار ، فإنه يبدأ أولاً بتخريب السقف ، وذلك هو قوله : * ( إذا السماء انفطرت ) * ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب ، وذلك هو قوله : * ( وإذا الكواكب انتثرت ) * ثم إنه تعالى بعد تخريب السماء والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض وهو قوله : * ( وإذا البحار فجرت ) * ثم إنه تعالى يخرب آخر الأمر الأرض التي هي البناء ، وذلك هو قوله : * ( وإذا القبور بعثرت ) * فإنه إشارة إلى قلب الأرض ظهراً لبطن ، وبطناً لظهر . المقام الثالث : في تفسير قوله : * ( علمت نفس ما قدمت وأخرت ) * وفيه احتمالان الأول : أن المراد بهذه الأمور ذكر يوم القيامة ، ثم فيه وجوه أحدها : وهو الأصح أن المقصود منه الزجر عن المعصية ، والترغيب في الطاعة ، أي يعلم كل أحد في هذا اليوم ما قدم ، فلم يقصر فيه وما أخر فقصر فيه ، لأن قوله : * ( ما قدمت ) * يقتضي فعلاً و * ( ما أخرت ) * يقتضي تركاً ، فهذا الكلام يقتضي فعلاً وتركاً وتقصيراً وتوفيراً ، فإن كان قدم الكبائر وأخر العمل الصالح فمأواه النار ، وإن كان قدم العمل الصالح وأخر الكبائر فمأواه الجنة وثانيها : ما قدمت من عمل أدخله في الوجود وما أخرت من سنة يستن بها من بعده من خير أو شر وثالثها : قال الضحاك : ما قدمت من الفرائض وما أخرت أي ما ضيعت ورابعها : قال أبو مسلم : ما قدمت من الأعمال في أول عمرها وما أخرت في آخر عمرها ، فإن قيل : وفي أي موقف من مواقف القيامة يحصل هذا العلم ؟ قلنا : أما