فخر الدين الرازي
51
تفسير الرازي
المسألة الأولى : في جواب قوله : * ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) * ( النازعات : 34 ) وجهان الأول : قال الواحدي : إنه محذوف على تقدير إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار ، وأهل الجنة الجنة ، ودلى على هذا المحذوف ، ما ذكر في بيان مأوى الفريقين ، ولهذا كان يقول مالك بن معول في تفسير الطامة الكبرى ، قال : إنها إذا سبق أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار والثاني : أن جوابه قوله : * ( فإن الجحيم هي المأوى ) * وكأنه جزاء مركب على شرطين نظيره إذا جاء الغد ، فمن جاءني سائلاً أعطيته ، كذا ههنا أي إذا جاءت الطامة الكبرى فمن جاء طاغياً فإن الجحيم مأواه . المسألة الثانية : منهم من قال : المراد بقوله : * ( طغى ، وآثر الحياة الدنيا ) * النضر وأبوه الحارث فإن كان المراد أن هذه الآية نزلت عند صدور بعض المنكرات منه فجيد وإن كان المراد تخصيصها به ، فبعيد لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، لا سيما إذا عرف بضرورة العقل أن الموجب لذلك الحكم هو الوصف المذكور . المسألة الثالثة : قوله صغى ، إشارة إلى فساد حال القوة النظرية ، لأن كل من عرف الله عرف حقارة نفسه ، وعرف استيلاء قدرة الله عليه ، فلا يكون له طغيان وتكبر ، وقوله : * ( وآثر الحياة الدنيا ) * إشارة إلى فساد حال القوة العملية ، وإنما ذكر ذلك لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " حب الدنيا رأس كل خطيئة " ومتى كان الإنسان والعياذ بالله موصوفاً بهذين الأمرين ، كان بالغاً في الفساد إلى أقصى الغايات ، وهو الكافر الذي يكون عقابه مخلداً ، وتخصيصه بهذه الحالة يدل على أن الفاسق الذي لا يكون كذلك ، لا تكون الجحيم مأوى له . المسألة الرابعة : تقدير الآية : فإن الجحيم هي المأوى له ، ثم حذفت الصلة لوضوح المعنى كقولك للرجل غض الطرف أي غض طرفك ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن يكون التقدير : فأن الجحيم هي المأوى ، اللائق بمن كان موصوفاً بهذه الصفات والأخلاق . * ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ) * . ثم ذكر تعالى حال السعداء فقال تعالى : * ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى ) * واعلم أن هذين الوصفين مضادات للوصفين اللذين وصف الله أهل النار بهما فقوله : * ( وأما من خاف مقام ربه ) * ضد قوله : * ( فأما من طغى ) * ( النازعات : 17 ) وقوله : * ( ونهى النفس عن الهوى ) * ضد قوله : * ( وآثر الحياة الدنيا ) * ( النازعات : 38 ) واعلم أن الخوف من الله ، لا بد وأن يكون مسبوقاً بالعلم بالله على ما قال : * ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) * ( فاطر : 28 ) ولما كان الخوف من الله هو السبب المعين لدفع الهوى ، لا جرم قدم العلة على المعلول ، وكما دخل في ذينك الصفتين جميع القبائح دخل