فخر الدين الرازي

52

تفسير الرازي

في هذين الوصفين جميع الطاعات والحسنات ، وقيل : الآيتان نزلتا في أبي عزيز بن عمير ومصعب بن عمير ، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزيز يوم أحد ، ووقى رسول الله بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه . * ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ ) * . واعلم أنه تعالى لما بين بالبرهان العقلي إمكان القيامة ، ثم أخبر عن وقوعها ، ثم ذكر أحوالها العامة ، ثم ذكر أحوال الأشقياء والسعداء فيها ، قال تعالى : * ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) * . واعلم أن المشركين كانوا يسمعون إثبات القيامة ، ووصفها بالأوصاف الهائلة ، مثل أنها طامة وصاخة وقارعة ، فقالوا على سبيل الاستهزاء : * ( أيان مرساها ) * فيحتمل أن يكون ذلك على سبيل الإيهام لأتباعهم أنه لا أصل لذلك ، ويحتمل أنهم كانوا يسألون الرسول عن وقت القيامة استعجالاً ، كقوله : * ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ) * ( الشورى : 18 ) ثم في قوله : * ( مرساها ) * قولان أحدهما : متى إرساؤها ، أي إقامتها أرادوا متى يقيمها الله ويوجدها ويكونها والثاني : * ( أيان ) * منتهاها ومستقرها ، كما أن مرسى السفينة مستقرها حيث تنتهي إليه . ثم إن الله تعالى أجاب عنه بقوله تعالى : * ( فيم أنت من ذكراها ) * وفيه وجهان الأول : معناه في أي شيء أنت عن تذكر وقتها لهم ، وتبين ذلك الزمان المعين لهم ، ونظيره قول القائل : إذا سأله رجل عن شيء لا يليق به ما أنت وهذا ، وأي شيء لك في هذا ، وعن عائشة " لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت هذه الآية " فهو على هذا تعجيب من كثرة ذكره لها ، كأنه قيل : في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها ، والمعنى أنهم يسألونك عنها ، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها . ثم قال تعالى : * ( إلى ربك منتهاها ) * أي منتهى علمها لم يؤته أحداً من خلقه الوجه الثاني : قال بعضهم : * ( فيم ) * إنكار لسؤالهم ، أي فيم هذا السؤال ، ثم قيل : * ( أنت من ذكراها ) * أي أرسلك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل ذاكراً من أنواع علاماتها ، وواحداً من أقسام أشراطها ، فكفاهم بذلك دليلاً على دنوها ووجوب الاستعداد لها ، ولا فائدة في سؤالهم عنها . * ( إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ) * . ثم قال تعالى : * ( إنما أنت منذر من يخشاها ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : معنى الآية أنك إنما بعثت للإنذار وهذا المعنى لا يتوقف على علمك