فخر الدين الرازي

50

تفسير الرازي

المسألة الثانية : قد ظهر بما ذكرنا أن معنى الطامة الكبرى الداهية الكبرى ، ثم اختلفوا في أنها أي شيء هي ، فقال قوم : إنها يوم القيامة لأنه يشاهد فيه من النار ، ومن الموقف الهائل ، ومن الآيات الباهرة الخارجة عن العادة ما ينسى معه كل هائل ، وقال الحسن : إنها هي النفخة الثانية التي عندها تحشر الخلائق إلى موقف القيامة ، وقال آخرون : إنه تعالى فسر الطامة الكبرى بقوله تعالى : * ( يوم يتذكر الإنسان ما سعى ، وبرزت الجحيم لمن يرى ) * فالطامة تكون اسماً لذلك الوقت ، فيحتمل أن يكون ذلك الوقت وقت قراءة الكتاب على ما قال تعالى : * ( ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ) * ( الإسراء : 13 ) ويحتمل أن تكون تلك الساعة هي الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ، ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم بوصفين : الأول : قوله تعالى : * ( يوم يتذكر الإنسان ما سعى ) * يعني إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها ، وكان قد نسيها ، كقوله : * ( أحصاه الله ونسوه ) * ( المجادلة : 6 ) . الصفة الثانية : قوله تعالى : * ( وبرزت الجحيم لمن يرى ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله تعالى : * ( لمن يرى ) * أي أنها تظهر إظهاراً مكشوفاً لكل ناظر ذي بصر ثم فيه وجهان أحدهما : أنه استعارة في كونه منكشفاً ظاهراً كقولهم : تبين الصبح لذي عينين . وعلى هذا التأويل لا يجب أن يراه كل أحد والثاني : أن يكون المراد أنها برزت ليراها كل من له عين وبصر ، وهذا يفيد أن كل الناس يرونها من المؤمنين والكفار ، إلا أنها مكان الكفار ومأواهم والمؤمنون يمرون عليها ، وهذا التأويل متأكد بقوله تعالى : * ( وإن منكم إلا واردها ) * إلى قوله : * ( ثم ننجي الذين اتقوا ) * ( مريم : 72 , 71 ) فإن قيل : إنه تعالى قال في سورة الشعراء : * ( وأزلفت الجنة للمتقين * وبرزت الجحيم للغاوين ) * ( الشعراء : 91 , 90 ) فخص الغاوين بتبريرها لهم ، قلنا : إنها برزت للغاوين ، والمؤمنون يرونها أيضاً في الممر ، ولا منافاة بين الأمرين . المسألة الثانية : قرأ أبو نهيك * ( وبرزت ) * وقرأ ابن مسعود : لمن رأى ، وقرأ عكرمة : لمن ترى ، والضمير للجحيم ، كقوله : * ( إذا رأتهم من مكان بعيد ) * ( الفرقان : 12 ) وقيل : لمن ترى يا محمد من الكفار الذين يؤذونك . واعلم أنه تعالى لما وصف حال القيامة في الجملة قسم المكلفين قسمين : الأشقياء والسعداء ، فذكر حال الأشقياء . * ( فَأَمَّا مَن طَغَى * وَءاثَرَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى ) * . وفيه مسائل :